عروس النيل بالحضارة المصرية القديمة،من قربان بشرى،إلى تمثال خشبى

د. سهام عبد الباقى محمد
الباحثة الأنثروبولوجية- بكلية الدراسات الأفريقية العليا
حظى طقس”عروس النيل” والذى كانت تٌقدم فية أجمل فتيات مصر القديمة قٌرباناً بشرياً فى يوم وفاء النيل يوم فيضان النهر بإهتمام كبير فى الحضارة المصرية القديمة،حيث كان النيل مناط التقديس والتبجيل منذ فجر الحضارة المصرية القديمه كما كان يٌمثل إلهاً مٌتعدد الأشكال والمسميات أيضاً، وكانت البداية فى عهد الملك زوسر أحد ملوك الأسرة الثالثة عندما امتنع النهر عن الجود والعطاء فى يوم الفيضان فعم الجفاف والقحط فطلب مشورة كبير الكهنة،فأخبرة أن النيل غاضباً لأنه يريد أن يتزوج بفتاة جميلة لتكون رفيقته فى الحياة الأبدية وتٌنجب له الأطفال، ومنذ تلك اللحظة صار تقليد إلقاء فتاة جميلة يوم وفاء النيل من أكبر الإحتفالات الشعبية والدينية التى مارسها المصريون القدماء، حتى أتت لحظة فارقة أطاحات بجميع الموازين عندما وقع الإختيار على أبنة الملك إيجبتوس بصفتها أجمل الفتيات فى وقتها فما كان من وصيفتها التى تعهدت برعايتها وكانت عقيماً سوى أن قامت بتهريب الأميرة قبل الحفل بعد أن قامت بإعداد عروس خشبى ووضعتها بالموكب وطلبت من الجميع الإبتعاد عن الموكب لأنها ستزف الأميرة إلى النهر بنفسها حتى لا ينكشف أمرها، وبعد الإحتفال سقط الملك مرضاً حزناً على تضحيته بإبنته وفاء للنهر وإلتزاماً بالمعتقدات الفرعونية التقليدية المقدسة، فأضطرت الوصيفة إلى كشف الحقيقة كاملة فبرأ الملك ثم أعلن إنهاء تلك الطقوس.
وهناك من المؤرخين من يؤكدون أن القرابين البشرية كانت بمثابة إعتقادا راسخاً يجلب للمصريين الحياة، ويحافظ على نمط الحياة الأخرى بعد البعث فكانوا يقتلون الحراس والخدم بعد موت ملكهم، حتى يقوموا بوظائفهم والعناية به في العالم الآخر، وهناك رأى آخر يؤكد أن الثابت في المعتقد الديني المصري عدم تقديم قرابين بشرية إلي معبود مهما علا شأنه، مٌستشهدين ببعض البرديات التى وصفت أحوال النيل وفيضانه وأزماته، لم يرد فيها أي ذكر لـ “عروس النيل” كما عُثر على ثلاث لوحات تصف جميعها المراسم، الدينية والشعبية، التي تحتفل بفيضان النيل، وتعود إلى عصر الملك رعمسيس الثاني ومرنبتاح ورعمسيس الثالث، وتشير إلى أن الملك كان يحضر الإحتفال الذي يبدأ بذبح عجل أبيض وأوز وبط ودجاج كقرابين وتماثيل للأله حعبى، ثم تُلقى في النيل “رسالة” مكتوبة على ورق بردي تتضمن أناشيد تمدح النيل إعترافا بفضله.وتحوى قائمة القرابين والحيوانات المقدمه للنيل تٌلقى جميعها في النيل، بحسب البردية.
وقد توقفت تلك العادة بعد الفتح الإسلامى لمصر على يد عمرو بن العاص والى مصر،حيث مٌنع تقديم قرابين لنهر النيل لمخالفتها لتعاليم الإسلام، وفى نفس العام حدث الجفاف ولم يفيض النهر وتم توجيه أصابع الإتهام إلى الفاتحين اللذين أغضبوا النهر وامتنعوا عن تقديم النذور والقرابين حتى زاد قلق عمرو بن العاص، الذي أرسل بدوره رسالة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، يخبره فيها بما يحدث في مصر.فرد عليه الخليفة قائلا ” بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي” وعندما وصل رد الخليفة إلى عمرو بن العاص، فتح تلك الرسالة فوجد مكتوب فيها:”من عبدالله أمير المؤمنين، إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت تجري من قِبَلك فلا تجرى، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك .
وعلى الفور ألقى عمرو بن العاص البطاقة في نهر النيل، وترقب المصريون ما سيحدث، وهم يستعدون لمغادرة منازلهم، وبعد ليلة واحدة، فوجئوا بالمياه تجري في نهر النيل، وبرغم اختلاف الأراء حول حقيقة عروس النيل وهل كانت قربان بشرى أم تمثال خشبى تظل تلك الأسطورة تٌروى على مر العصور تجسد رؤى ومعتقدات المجتمع المصرى القديم وتعكس جانباً هاماً من الثقافة المصرية القديمة التى قامت على فكرة الخلود بعد الموت، وتقديس الظواهر الطبيعية.





