اللواء اشرف فوزى الخبير الامنى والإستراتيجي يكتب .. السودان وتونس….إلى اين؟

التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة لاسيما السودان وتونس اللتان تجاتازان مرحلة تحول ديمقراطي نهاية عقد من “الربيع العربي” لم تتحول إلى خريف فقط، بل أيضا إلى شتاء، تثير أسئلة جوهرية حول دور الغرب ونفوذه في المنطقة
في فجر الخامس والعشرين من اكتوبر/ تشرين أول عندما كانت دبابات الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ورئيس المجلس السيادي للحكم الانتقالي في السودان، تبسط سيطرتها على المواقع الاستراتيجية في العاصمة الخرطوم وتطيح بمؤسسات الحكم المدني في البلاد وتعتقل رئيس الوزراء وعدد من أعضاء حكومته، لم يكن دخان كيروسين طائرة المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون القرن الأفريقي جيفري فيلتمان قد انقشع بالكامل من الأجواء السودانية، مخلّفا وراءه أسئلة حارقة عن حقيقة الموقف الأمريكي مما حدث وقوبل برفض شعبي في السودان وبإدانات دولية واسعة بما فيها من واشنطن!.
المفارقة المثيرة للأسئلة حول موقف الإدارة الأمريكية مما يجري في السودان، سبقها مشهد آخر لا يقلّ دراماتيكية. ففي ليلة الخامس والعشرين من يوليو/ تموز الماضي، وإثر احتجاجات شعبية، اقتحمت دبابة باحة البرلمان التونسي في قصر باردو التاريخي، ومنعت رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي من دخول البرلمان الذي أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد تجميده ورفع الحصانة عن أعضائه وإقالة رئيس الوزراء وفرض حالة الطوارئ في البلاد.
المشهد التونسي أثار صدمة وردود فعل غاضبة في واشنطن وعواصم أوروبية عديدة، رغم أنها لم تذهب إلى حد وصف ما حدث بـ”الانقلاب”.
كيف حدثت التطورات الدراماتيكية الأخيرة في المنطقة وخصوصا في الدول التي كانت تجتاز مرحلة انتقال ديمقراطي نهاية عقد “الربيع العربي” وحولته إلى خريف، لا وبل إلى شتاء، وما حقيقة موقف الغرب إزاءها وما دلالتها على مستقبل دور الغرب ونفوذه بالمنطقة؟
نبرة الإدانة لانقلاب السودان كانت قوية لدى المؤسسات الدولية والغربية بالخصوص، كما حذر ساسة أوروبيون من عزلة دولية جديدة يواجهها السودان.
هل تكون الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي أمام امتحان صعب. فمن المرجح أن يتم اللجوء إلى عقوبات اقتصادية ووقف المساعدات المالية، لكن هل يعني ذلك أن النظام العسكري سينحني بالضرورة ويعيد السلطة إلى المدنيين؟
الألماني فولكر بيرتس المبعوث الأممي الخاص للسودان يقول في حوار لصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” الألمانية بان “الغضب الشعبي وانتفاضة الشارع قد تعيد العملية الديمقراطية إلى البلاد”. وقد يكون هذا سيناريو أول لتطورات الأوضاع في البلد، لكن ماذا لو تصلّب العسكريون، فكيف سيتصرف الغرب؟
قد يكون فك ألغاز الموقف الأمريكي المشوب بالغموض في الملف السوداني، جزءا من الجواب. ذلك أن تحرك دبابات الفريق أول البرهان في الخرطوم بعد ساعات قليلة من زيارة المبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان، ألقت بظلال من التساؤلات حول الموقف الأمريكي، لا يبدو أن إدانة واشنطن للانقلاب كافية لتبديدها: فاذا كان الأمريكيون على علم مسبق – حتى في آخر لحظة – بما كان يخطط له العسكريون، ولم يتحركوا لوقفه، فسيكون الاستنتاج بأنهم إما متواطئون أو تجاوزتهم الأحداث. أما إذا لم يكونوا على علم مسبق فستكون تلك خيبة استخباراتية أخرى تضاف لخيبة أفغانستان.
وفي الحالتين، فان إدارة الرئيس بايدن وشريكاتها حكومات أوروبا، تضع نفسها في موقف حرج، أمام شعوبها والرأي العام الغربي، لأنها تعرض مصداقيتها وكفاءتها للتشكيك
أما الوجه الآخر لمعضلة الغرب إزاء ما حدث في السودان وقبله في تونس، فيتمثل في الصدمة التي تبدو في مواقف الحكومات الغربية إزاء تطورات الأحداث في البلدين.
ففي الخرطوم أظهر القادة العسكريون لحد الآن تجاهلا لدعوات الغرب بإعادة المؤسسات الديمقراطية، ومن غير المستبعد برأي محللين أن يكون سلوكهم نابع من الشعور بأنه يمكنهم بالاضافة إلى دعم يتلقونه من قوى إقليمية بالمنطقة، المراهنة على دعم قوى عالمية منافسة للغرب مثل روسيا والصين، تنافس بشراسة من أجل مواقع نفوذ في القرن الأفريقي.
في حالة تونس البلد الشريك والحليف تقليديا لأوروبا وأمريكا، فتبدو معضلة الغرب قائمة أيضا وربما بشكل أكثر دراماتيكية، إذ أنه بعد عامين من انتخاب سعيّد رئيسا للبلاد، بدت خطواته التي أعلن عنها أو التي ينوي القيام بها، تثير صدمة في العواصم الغربية، مثل واشنطن وبرلين ولندن وبدرجة أقل باريس وروما. ورغم أنها لم تذهب إلى حد وصف ما حدث في تونس بـ”الانقلاب”، إلا أنها تطالبه بإعادة المؤسسات الدستورية، وتلوّح بضغوط اقتصادية.
وثمة معطيات أخرى تزيد من مفارقة مواقف العواصم الغربية إزاء الحالة التونسية، أولها، أن الرئيس سعيّد لم يأت للسلطة على ظهر دبابة، وهو منتخب بأغلبية كاسحة، وحتى بعد تجميد البرلمان وتعطيل فصول عديدة من الدستور ما يزال يحظى بتأييد فئات شعبية واسعة.
وثانيها، الصورة السلبية التي ارتبطت لدى فئات من الرأي العام التونسي عن النخب والأحزاب السياسية والنظام الديمقراطي وخصوصا البرلماني، وربطه بمظاهر العجز والترهل بل الفساد. وبالمقابل فان الرئيس سعيّد يبني على هذه الصورة السلبية، سرديته القائمة على السعي لإقامة نظام سياسي مغاير للديمقراطية النيابية، يكون مستندا إلى “ديمقراطية قاعدية” في شكل مجالس شعبية.
وهو عندما يرفض إعادة مؤسسة البرلمان، فهو يسعى لتغيير الدستور وإقامة نظام سياسي جديد لن يكون للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني دور أساسي فيه، أي أنه بصدد الخروج عن النمط المؤسساتي الديمقراطي المألوف في الديمقراطيات الغربية الحديثة.
وفي مواجهة احتجاجات المعارضة وانتقادات الغرب، يدفع الرئيس سعيد بأنه ينفذ “إرادة الشعب”، وهو يعني ما يقول، لأنه سيعتمد على استفتاء شعبي يمرر من خلاله التغييرات التي يفكر بها.
ولا يبدو أن الشد والجذب بين الرئيس سعيّد والدوائر الغربية، سيقف عند حد الاختلاف في المعايير الديمقراطية، إذ بدأت دوائر قريبة منه تلوّح بإمكانية تغيير تونس لتحالفاتها الاستراتيجية، فبشكل غير مسبوق في تاريخ تونس التي تتمتع بوضع شريك مميز للإتحاد الأوروبي و”الحليف الاستراتيجي” خارج حلف الأطلسي(ناتو)، بدأ تلويح بإمكانية بحث خيارات شراكة مع الصين أو روسيا. وهنالك من يقلل من جدية هذه الدعوات ويرى بأنها لا تعدو كونها صدى لخطاب شعبوي الهدف منه التقليل من الضغوط الغربية.
لكن تسارع المتغيرات وشراسة المنافسة بين الغرب والصين وروسيا ودخول قوى إقليمية على خط هذه المنافسة التي باتت القارة الأفريقية تشكل مسرحا أساسيا، قد تغري بعض دول المنطقة بالمجازفة والمغامرات في اللعب على الحبال بين القوى الكبرى المتنافسة. وهي لعبة خطرة في كل الأحوال بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة الحجم استراتيجيا، لكنها أيضا تضع القوى الغربية تحت الضغط، إذ يعرضها أكثر من أي وقت مضى للابتزاز من أجل مقايضة معايير حقوق الانسان والديمقراطية بالمصالح الاقتصادية والتجارية. وهذه معضلة تواجه إدارة الرئيس جو بايدن حاليا، ومن المتوقع أن تواجه الحكومة الألمانية المقبلة، والتي يرجح أن يكون فيها دور الاشتراكيين الديمقراطيين و”الخضر” وازنا.
وناهيك عن سجل دول غربية عديدة في نهج ازدواجية المعايير، وفي دعم أنظمة مستبدة بالمنطقة مقابل مساعدات شحيحة للديمقراطيات الناشئة ومنها الديمقراطية التونسية، فان المتغير الجديد، هو وجود قوى إقليمية على صلة وثيقة بقوى غربية، تقوم بالمهمة من الخلف. طالما أن القوى الغربية تشهد إعادة تنظيم لقواها الاستراتيجية، خصوصا الولايات المتحدة التي تقلص من تواجدها بمنطقة الشرق الأوسط، في أفق أولويات صراعها مع الصين. بينما يواجه الإتحاد الأوروبي صعوبات في التأقلم مع المتغيرات الجديدة.





