هل يمرض المؤلف نفسيًا أثناء الكتابة؟

 

بقلم : أيمن فتيحة

يُقال إن الكتابة شفاء، لكن قليلين يتحدثون عن الوجه الآخر لها: الكتابة كمرضٍ مؤقت… أو كجرحٍ يُفتح بإرادة صاحبه.
المؤلف، وهو يكتب، لا يقف خارج النص كما يظن القارئ. هو لا يحرّك الشخصيات مثل قطع الشطرنج ثم يعود سالمًا إلى حياته. على العكس تمامًا، هو يدخل النص، يسكنه، ويتفتّت داخله.
حين يكتب عملًا كوميديًا، يضحك القارئ، لكن المؤلف في الغالب لا يضحك. هو يبحث عن الضحك داخل منطقة مظلمة: خوف، قهر، نقص، أو وجعٍ قديم. الكوميديا نفسها لا تُولد من الفرح الخالص، بل من مفارقة موجعة بين ما نريده وما يحدث، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن.

أخطر ما يمر به المؤلف هو حالة التفسّخ بين الشخصيات.
في لحظة ما، لا يعود يعرف أين ينتهي هو، وأين تبدأ الشخصية.

يكتب الجملة… ثم يكتشف أنها قيلت من داخله لا من داخل الورق.
يتكلم بلسان الشرير، فيتعاطف معه.
يدافع عن الضحية، ثم يفهم جلادها.
يُدين الخيانة، ثم يبررها دراميًا، لا أخلاقيًا.
وهنا يبدأ الاضطراب.

post

المؤلف الجيد لا يكتب الأبيض والأسود، بل يكتب المنطقة الرمادية، وهذه المنطقة مرهقة نفسيًا.
أن تتعاطف مع الأضداد في الوقت نفسه يعني أن عقلك يعمل ضد منطقه الطبيعي.
الإنسان العادي يحتاج أن يكره ليطمئن، أو يحب ليشعر بالأمان.
أما المؤلف، فهو مجبر على أن يفهم الاثنين معًا… دون أن يهرب من أيٍّ منهما.
الكتابة أيضًا حالة من التوحد القسري.
تتوحد مع طفلٍ خائف، ثم مع أبٍ قاسٍ، ثم مع امرأةٍ مهزومة، ثم مع قاتل يبحث عن مبرر.
كل توحد يترك أثرًا، خدشًا صغيرًا في النفس.
ومع الوقت، تتراكم الخدوش.
لهذا، كثير من الكُتّاب يشعرون بعد انتهاء العمل بإرهاق غامض، اكتئاب بلا سبب واضح، أو رغبة في العزلة.
ليس لأنهم فشلوا، بل لأنهم استُنزفوا نفسيًا.
كأنهم عادوا من حرب لم يروها بأعينهم، لكن عاشوها كاملة في عقولهم.

هل هذا يعني أن المؤلف مريض نفسيًا؟
لا… لكنه يقترب من الحافة، يراها، ويمشي بمحاذاتها.
هو لا يسقط، لكنه يرى العمق جيدًا، أكثر مما يحتمله الإنسان العادي.

الكتابة ليست مرضًا، لكنها مخاطرة نفسية.
والمؤلف الحقيقي هو من يقبل هذه المخاطرة، ثم يعود منها ليحكي لنا ما رأى…
حتى لو كان ما رآه مضحكًا.

هل يمرض المؤلف نفسيًا أثناء الكتابة؟
هل يمرض المؤلف نفسيًا أثناء الكتابة؟

IMG 20260115 WA0011

زر الذهاب إلى الأعلى