د. احمد شعبان يكتب … حجية السندات الالكترونية في قواعد الاثبات الإجرائية

 

أدى التطور الهائل الذي طال نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى قيام الملايين من الأشخاص حول العالم، بإبرام تصرفاتهم القانونية عبر وسائل الاتصال الحديثة -لا سيما بواسطة شبكة الإنترنت – عوضا عن تلك المعاملات الورقية التقليدية، التي جرت فيها العادة على ألا تتم إلا بحضور أطرافها، أو من يمثلهم قانونا، وقد واجه التعامل بوساطة الآليات الإلكترونية الجديدة صراعا مريرة مع القواعد القانونية التقليدية، التي ظلت إلى وقت قريب تجعل الاعتراف ببعض التصرفات القانونية مشروطة بضرورة كتابتها على الورق، أو على الأقل تمنع إثباتها أمام القضاء، إلا من خلال هذه الأوراق المكتوبة.

وكي لا تكون تلك الأوضاع القانونية الجديدة بلا قانوني يحكمها، توالت العديد من الجهود التشريعية، سواء على المستوى الدولي، أو على المستوي الوطني، على وضع أنظمة قانونية تواكب التطورات الحاصلة، وبالتالي صدرت مجموعة حديثة من القواعد النموذجية الدولية والتشريعات الوطنية، تبلورت مهمتها الأساسية حول إضفاء الصبغة القانونية على المعاملات الإلكترونية، وإجازة إثباتها من خلال مستجدات حديثة، سمیت بالمحررات الإلكترونية، والتي تم اعتبارها بديلا قانونية للمحررات الورقية، تتساوى معها من ناحية الآثار القانونية والحجية في الإثبات.

وقد شهد العالم في الآونة الأخيرة تطورا هائلا في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بدء باختراع جهاز الحاسب الآلي، ومرورا بتطويع استخدام هذا الجهاز وانخراطه في شتى ميادين الحياة العلمية والعملية، ووصولا لإيجاد أشكال جديدة للاتصال والتعامل بين مجتمعات العالم المختلفة، أهمها الإنترنت.

وقد توصل المجتمع الإنساني إلى الإنترنت، من خلال ربط استخدام الحاسب الآلي بالهاتف، لنصبح أمام مجتمع جديد، يمكننا تسميته بمجتمع المعلومات، والذي بدوره جعل العالم كما لو كان يعيش أصلا في حي صغير، بحيث يستطيع كل شخص فيه أن يشاهد ويتفاوض ويتعاقد مع أي شخص آخر مهما تباعدت بينهما المسافات، دون الحاجة إلى السفر وتجاوز الحدود للالتقاء المباشر، بل يمكن القول أن أي شخص في هذا العالم أصبح بإمكانه أن يبرم أية تصرفات قانونية، ولو بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات، دون أن ينتقل حتى من مكان جلوسه، وذلك من خلال تبادل البيانات والمعلومات باستخدام تقنيات الاتصال الحديثة، والتي أدت إلى تحول الإنسان من مواطن محلي تخاطبه قوانين الدولة التي ينتمي إليها، إلى ما يمكن تسميته بالمواطن العالمي الذي تخاطبه القوانين الدولية، أو على الأقل أكثر من قانون دولته.

post

بيد أن هذا المجتمع المعلوماتي الجديد، وإن كان يعد تحوط أساسية للعالم الإنساني في مجال إبرام العقود والصفقات القانونية، التي تتم عن بعد ودون تجاوز الحدود أو بعبارة أخرى على الرغم من أن الإنترنت أصبح ميدان خصب لممارسة الأعمال التجارية إلكترونية في إطار ما يسمى بالتجارة الإلكترونية- إلا أنه يواجه صعوبات قانونية كبيرة، تنبع من الطبيعة الإلكترونية للمعاملات ذاتها؛ كونها تتم من خلال نقل المعلومات من حاسب إلى آخر، دون وجود دعامات ورقية مكتوبة وموقعة من قبل المدين، في عالم قانوني باتت فيه الكتابة وسيلة الإثبات المتربعة على عرش أدلة الإثبات القانونية، الأمر الذي قد يؤدي إلى وقوف قواعد الإثبات العامة حائلا أمام منح القوة الثبوتية للمعلومات المثبتة على الدعامات الإلكترونية، ومن ثم انعدام الدليل القانوني لإثبات المعاملات الإلكترونية، لا سيما مع تعذر استخدام الكتابة بمفهومها التقليدي في مثل هذه المعاملات.

ولعل تلك المعاملات الإلكترونية التي يصعب فيها الحصول على دليل كتابي لإثباتها عند الحاجة، تطرح أمامنا إشكالية قانونية أساسية، تتمثل في مدى إمكانية إثبات تلك المعاملات بواسطة المحررات الإلكترونية، لا سيما في الأحوال التي يتطلب فيها القانون دليل كتابي للإثبات، وتحت هذه الإشكالية الأساسية يمكن طرح مجموعة من التساؤلات ينبغي الإجابة عليها خلال هذه المقالة، وهي على النحو الآتي:

مفهوم المحررات الإلكترونية

تعريف المحررات الإلكترونية في التشريع لم تتفق التشريعات المقارنة على لفظ معين للمحررات الإلكترونية، ففي حين أخذت قواعد الأونسترال النموذجية بشأن التجارة الإلكترونية بلفظ رسالة البيانات، فإن كلا من قانون المعاملات الإلكترونية الفلسطيني وقانون المعاملات الإلكترونية الأردني أخذا بلفظ السجل الإلكتروني، أما المشرع المصري فقد اعتمد في قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني على لفظ المحرر الإلكتروني.

وقد عرفت قواعد الأونسترال النموذجية بشأن التجارة الإلكترونية، وبشأن التوقيعات الإلكترونية، رسالة البيانات بأنها “المعلومات التي يتم إنشاؤها، أو إرسالها، أو استلامها، أو تخزينها، بوسائل إلكترونية، أو ضوئية، أو بوسائل مشابهة، بما في ذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

الشروط الواجب توافرها في المحررات الإلكترونية

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن المحرر الإلكتروني لا ينتج أثره القانوني المتمثل في منحه قوة الدليل الورقي المعد للإثبات، إلا إذا ما توافرت فيه عدة شروط أكدت عليها قواعد الأونسترال النموذجية بشأن التجارة الإلكترونية، وقانون المعاملات الإلكترونية الفلسطيني، وقانون المعاملات الإلكترونية الأردني، وقانون تنظيم التوقيع الإلكتروني المصري.

الشرط الأول: إمكانية الاحتفاظ بالمعلومات الواردة في المحرر الإلكتروني.

يتحقق هذا الشرط إذا كان المحرر الإلكتروني في ذاته قابلا للاحتفاظ بالمعلومات الواردة فيه، أي كانت طبيعته تسمح بحمل ما تم تدوينه عليه من معلومات، بالإضافة إلى إمكانية تخزينه لهذه المعلومات على الدوام، بحيث يتسنى الرجوع إليها في أي وقت، واشتراط ذلك في المحرر الإلكتروني يقابل شرط استمرارية الكتابة في المحرر الورقي، إذ يشترط للاعتداد بحجية الكتابة في الإثبات، أن يتم تدوينها على دعامة تسمح بثبات واستمرار بقاء هذه الكتابة؛ وذلك حتى يتمكن طرفي العقد المكتوب، من الرجوع إلى بنوده في حال نشوب خلاف بينهما مستقبلا، وهذا الأمر لا يمكن تحقيقه إذا ما كانت طبيعة الدعامة التي تم تدوين المعلومات عليها تتأثر بمرور الزمن.

الشرط الثاني: إمكانية الاحتفاظ بالمحرر الإلكتروني بالشكل الذي تم به.

يعني هذا أن قبول المحرر الإلكتروني كدليل في اثبات التصرفات القانونية التي تتم عبر الوسائط الإلكترونية الحديثة، مرتبطة بضرورة حفظ هذا المحرر على نحو يضمن سلامة البيانات التي يحتويها من أي تعديل أو تحريف، أو غيره، وببقائها بنفس الشكل الذي تم به انشاؤها، أو إرسالها، أو تسلمها.

ونرى أن تحقيق شرط الاحتفاظ بالمحرر الإلكتروني على النحو الذي تم به إنشائه، يستوجب بالضرورة أن يكون نظام الحفظ الإلكتروني غير خاضع لسيطرة منشئ المحرر الإلكتروني، وهذا على عكس ما سنراه لاحقا، بشأن منظومة إنشاء التوقيع الإلكتروني، والتي يجب أن تكون تحت سيطرة منشئ المحرر الإلكتروني؛ حتى يمكن الاحتجاج به عليه.

الشرط الثالث: قابلية المحرر الإلكتروني للقراءة والإدراك ودلالة المعلومات الواردة فيه على من ينشئه أو يتسلمه وتاريخ ووقت إرساله أو تسلمه.

يقصد بقابلية المحرر الإلكتروني للقراءة والإدراك، أن تكون المعلومات المدونة على المحرر بصفة خاصة، أو المحرر بأكمله بصفه عامة، قد تم انشاؤه بالشكل الذي يجعله قابلا للقراءة والإدراك، من قبل الإنسان في أي وقت، سواء عند إنشاؤه لأول مرة، أو عند الرجوع اليه بعد حفظه.

والمحررات الإلكترونية على خلاف المحررات الورقية- لا يمكن قراءتها وإدراك مضمونها بطريقة مباشرة؛ ويرجع ذلك إلى أن تدوينها يتم بلغة الحاسب الآلي، والتي لا يتمكن الإنسان من قراءتها بشكل مباشر، بل يمكنه ذلك بشكل غير مباشر، إما من خلال اللجوء إلى برامج الحاسب الآلي، والتي بإمكانها ترجمة هذه اللغة التقنية إلى لغة يستوعبها الإنسان تظهر على شاشة الحاسب الآلي، أو بعد استخراجها على أوراق مطبوعة، خذ مثلا المحرر الإلكتروني الموجود على قرص مرن، فهو لا يمكن قراءته بمجرد النظر إلى القرص، بل لابد من وضع الأخير في جهاز الحاسب؛ حتي نستطيع قراءة مضمون المحرر.

الشرط الرابع: التوثيق.

أوجب القانون على أي شخص يقوم بإبرام أي تصرف قانوني عبر وسائل الاتصال الإلكترونية، لا سيما شبكة الإنترنت، أن يوثق هذا التصرف لدى الجهة المختصة قانونا؛ وذلك حفاظا على حقوق المتعاملين من خلال هذه الشبكة، من أي اعتداء أو غش، فأي محرر إلكتروني لكي ينتج أثره القانوني، ويكون له حجية الدليل الكتابي الكامل في الإثبات، لا بد أن يتم توثيقة لدى جهة معتمدة ومختصة بذلك، ومعلوم بالضرورة أن هذه الجهة لا تقوم بتوثيق المحرر الإلكتروني، إلا بعد التأكد بأنه قد صدر وفقا للأوضاع المقررة قانونا، ومن ذات الشخص الذي يحق له إصداره، كذلك تقوم هذه الجهة بتحليل ما إذا كان قد حدث أية تغييرات، أو أخطاء، بعد إنشاء المحرر، فإذا ما انتهت هذه الجهة من كافة إجراءات التحقق سالفة الذكر، تمنح صاحب المحرر ما يعرف بشهادة المصادقة الإلكترونية، والتي بدورها تثبت صحة وسلامة المحرر الإلكتروني، وأنه قد تم المحافظة عليه بطريقة صحيحة، من لحظة إنشائه حتى لحظة التصديق عليه، في مواجهة أي شخص يدعي عدم صحته.

علاوة على ذلك فإنه بعد الانتهاء من إعداد المحرر الإلكتروني، وتوثيقه من قبل الجهة المختصة، يمنح صاحب الحق في المحرر رمز تعريف، كالرقم السري مثلا؛ وذلك حتى يتمكن من الرجوع إلى مضمون المحرر عند الحاجة.

وفي الختام

إن محاولتنا لمواجهة هذه الإشكالية من بداية المقال وحتى نهايتها لا تعدو ما منحنا الله من قدرة بشرية محدودة؛ لذا فإننا نؤمن بأننا قد لا نكون أصبنا في كل ما كتبناه أو أبديناه من آراء في هذه المقالة، إلا أن هذا لم يمنعنا من مواصلة المزيد من الجهد في دراسة موضوع الإثبات بالمحررات الإلكترونية سعيا للوصول إلى جملة من النتائج المفيدة لنا ولمجتمعنا.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى