إيران الفأر الجريح 

 

بقلم .. دكتور ابراهيم حنفية

تطبيق السياسة كما فى حياة الحيوان ، قد يبدو الحيوان الصغير هادئاً حين يكون قوياً، لكنه يصبح أكثر شراسة عندما يُصاب او تتم مهاجمته !!
هكذا تبدو إيران اليوم: فأرٌ جريح يتحرك في زوايا المنطقة، يعضّ. يركل. يتمادى لأنه يشعر بأن الخطر يقترب من قلبه ويداهم مستقبله؛
على مدى عقود بنت طهران نفوذها على فكرة التمدد عبر الأذرع، لا عبر المواجهة المباشرة. بدء من العراق مرورا بسوريا، ومن لبنان وصولا الىً حوثي اليمن، نسجت شبكة نفوذ معقدة كخيوط العنكبوت؛ خيوطٌ تبدو رفيعة ركيكة لكنها قادرة على تعطيل حركة المنطقة. غير أن هذه الشبكة بدأت تتآكل تحت ضغط التحولات الدولية والإقليمية.

العقوبات الاقتصادية أنهكت الداخل الإيراني، والشارع لم يعد ذلك الصامت الذي يمكن تجاهله. الاحتجاجات المتكررة، وتراجع قيمة العملة، وتآكل الطبقة الوسطى، كلها مؤشرات على أن الداخل الإيراني لم يعد متحدا صلباً كما كان يُصوَّر ويسوّق إعلاميا وعندما يضعف الداخل، يصبح الخارج مجرد محاولة لتعويض الخسارة الحتمية
نعود الى حالة الفأر الجريح الذي لا يهاجم لأنه قوي، بل لأنه خائف لذلك نرى إيران أحياناً تؤجج الصراع في ملفات حساسة، أو تدفع حلفاءها إلى رفع مستوى التوتر ورفع مستوى الانزلاق الى الهواية .

إنها سياسة الهروب إلى الأمام. محاولة لإثبات الحضور في وقت يتراجع فيه النفوذ الحقيقي الذي يبدو حقيقيا
لكن المشكلة أن المنطقة لم تعد كما كانت او بالأحرى لم تعد اسيرة للفكر البرجماتي المظلل إذ توازنات جديدة تتشكل، وقوى إقليمية تعيد تعريف مصالحها بعيداً عن الصراعات الطويلة.
في عالم يتغير بسرعة، يصبح اللعب على حافة الفوضى خياراً أكثر خطورة على من يختاره. ايران الجريح يتوكأ على اذرع بلا شريان كالحشد الشعبى فى العراق ،و حزب الله بلبنان واليمن وحوثيه اما في العراق تحولت فكرة “الحشد الشعبي ” إلى “الصدّالشعبيّ حتى ولو كان صدّا صامتا إلا أنه حتما سينفجر ، وفى لبنان بات حزب الله في مواجهة الانهيار إذ تحول الحزب من “مقاومة” كانت تحظى أحيانا بإجماع وطني ، إلى حارس بل أجر لمنظومة المحاصصة التي تسببت في إفلاس اللبنانيين وطمس جمال سويسرا الشرق فعندما تنقطع الكهرباء ويضيع جنى العمر في المصارف للأسف الحكومية ، بات معها الصاروخ غير قادر على إقناع المواطن اللبناني (حتى المنتمي للحزب) بأن هذه هي “الكرامة” المنشودة. ، وفي اليمن استفاق الحوثي الذي يسيطر بالحديد والنار على مدار الايام أن “الحكم بالخوف” له تاريخ صلاحية فالشعب اليمني بطبيعته القبلية والعروبية لا يمكن تبعيته طويلاً ضمن “الولاية” الإيرانية الأذرع الحوثية اليوم تتحرك في فراغ شعبي، وتعتمد على تحويل المجتمع إلى “ثكنة” قسرية، وهو نموذج لا يمكنه الصمود في زمن عنوانه حق الإنسان ايا كانت -أيدلوجيته- فى البناء .

post

طهران اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى دولة طبيعية تبحث عن الاستقرار والتنمية، وتندمج ضمن افراد الاسرة الدولية بقواعد وسياسات الأخيرة طوعا أو تبقى أسيرة عقلية الحصار والمواجهة. وفي الحالتين، فإن الفأر الجريح يسبب الألم ولا شك لمن حوله، لكنه في النهاية لا يستطيع أن يغيّر مسار الغابة.
السياسة لا تُقاس بحجم الضجيج، بل بقدرة الدول على بناء مستقبلٍ مستقر لشعوبها كما هي السعودية وبقية دول الخليج، وهذا هو السؤال الحقيقي الذي سيحدد شكل إيران في السنوات القادمة: هل تبقى فأراً جريحاً يعضّ في الظلام، أم تختار الخروج إلى ضوء الواقع والتوازن وصولا بشعبها المتألم الى وادى الأمان أخيرا المسلم به الدول التي تُبنى على السلاح وحده، تسقط بمجرد أن يصمت الرصاص وتبدأ الشعوب في السؤال عن “رغيف الخبز” و”كرامة العيش”.

زر الذهاب إلى الأعلى