والعيش والملح، من قَسم شعبى، إلى مهبّ الريح

د. سهام عبد الباقى محمد           

الباحثة الأنثروبولوجية- بكلية الدراسات الأفريقية العليا

وحياة العيش والملح،هكذا كان يٌقسم المصريون فى عشرينيات القرن المٌنصرم، وكان هذا القسم سائد فى الثقافة الشعبية والأوساط الشعبية المصرية، وكان بمثابة مقولة مأثورة ذات دِلالات عميقة، فى الوجدان الشعبى المصرى، فرغيف الخبزٌ بالنسبة للمصرى هو أساس الحياة لأنه بالنسبة له الغذاء الأساسي الذى يمكن أن يحيا به بدون أى مواد غذائية أخرى.

كما كان المِلح يٌمثل عنصراً أساسياً فى حفظ توازن الجسم، فكان المصرى فى المواقف التى تستدعى قسم غليظ يٌقسّم الرغيف إلى قسمين ويضعهما على عينية قائلاً(وحياة النعمة دى على عنيا) وتعنى أنه إن حنث فى قسمة بالنعمة وهى رغيف الخبر يٌصاب بالعمى، لانه خان حق الطعام ممثلاً فى أهم صوره وعناصره (الخبز والملح).

حيث كان تناول الطعام من صحن واحد واقتسام الرغيف بين الناس له معنى مقدس لأنه يزيد الترابط واللٌحمة الاجتماعية،ويربط بينهم بروابط تفرض عليهم قيم التضامن والتعاون والتكافل فى الأفراح والأتراح ، فكان الجار لا تهنأ له لقمة إلا إذا تقاسمها مع جاره المسلم،والمسيحى فكان الصحن الدّوار بين الجيران والمٌتبادل بمثابة ميثاق محبة واٌلفة بينهم، حيث كانت المائدة المصرية لا بد أن تحمل صحناً قد حملته أحدى الجارات إلى المنزل ولهذا السبب كانت الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع ترقى إلى مصاف العلاقات القرابية،وربما أكثر.

لأن الجار بحكم الجوار كان أقرب من الأهل والعائلة وأول من يتكاتف ويقف مع جارة فى السراء، والضراء.وهذا أمر طبيعى فى ظل هذا الشعار الذى يحمل الكثير من المعانى الإنسانية والأخلاقية، كما كانت طبيعة المساكن فى الأماكن الشعبية تفرض على الجيران هذا المستوى من التعامل والتفاعل فيما بينهم،حتى أنّ النسوة كٌن يٌعددن الطعام بشكل جماعى ويتعاونّ مع بعضهن البعض فى طهيه، وترتيب المنزل ولهذا كانت القلوب عامرة بالحب وكانت تلك التعاملات اليومية التى قد يراها البعض أمور سطحية أو هامشية هى أساس الإخاء والصفاء بين أفراد المجتمع المصرى، كما كان التنكر للعيش والملح بمثابة خيانة عظمى وكبيرة بالمجتمع المصرى وكان يتم التعبير عن ذلك بمقولة(ده ماكانش عيش وملح، يا خاين العيش والملح) لأن الطعام يحتوي المعاني وينقلها لأنَّها جزء من أنساق مركبة تتغلغل بعمق في الثقافة.

والطعام يؤدي وظيفته بوصفه نسقاً من أنساق التواصل البشريّ؛ وفى وقتنا الحالى أصبح أفراد المجتمع لايجتمعون على مائدة الطعام بسبب الواقع الإقتصادى الذى أدى إلى جمع الرجل بين عملين ليٌلبى إحتياجات أسرته المعيشية، فلم تعد وجبات الطعام تجمع أفراد العائلة كما كان يحدث بالمجتمع المصرى قديماً، بل صار كل فرد يأكل بمفردة وفقاً لموعد عودته بالبيت، كما تغير نمط وعدد الوجبات الغذائية حيث أصبحت وجبة الغذاء هى الوجبة الرئيسية، بسبب إنخراط المرأة فى سوق العمل، فتم اختزال الثلاث وجبات الرئيسية الى وجبتين فطور وغذاء، وأصبح أفراد الأسرة لا يجتمعون على مائدة الطعام إلا فى العٌطلات والأجازات الرسمية،مما أدى إلى إنعزال أفراد الأسرة عن بعضهم البعض لإفتقارهم إلى الحديث والتحاور والتسامر،على موائد الطعام داخل بيوتهم، مما أدى بدوره إلى إضعاف العلاقات الإجتماعية بين أفراد المجتمع بشكل عام بسبب ضغط الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وكفاح  الجميع من أجل لقمة العيش.

فمتى يعود التلاحم بين أفراد المجتمع ؟، ومتى يعود أفراد المجتمع الى فترتهم وطبيعتهم الأصيلة التى جعلت من تداول الطعام بين البشر سبباً كافياً لمحبتهم وإخلاصهم لبعضهم البعض ؟، وهل سنٌعيد يوماً أصالة وقيم الماضى. أم يمكن اعتبارها .جزء من تراث ثقافى ولىّ وأندثر؟.

زر الذهاب إلى الأعلى