الإحتفالات الشعبية بعيد ست الحبايب

 

  د/ سهام عبد الباقى

الباحثة الأنثروبولوجية- كلية الدراسات الأفريقية العليا

  جامعة القاهرة

يتم الإحتفال بعيد الأم يوم 21/ مارس من كل عام إعترافاً بفضلها،ودورها العظيم فى مٌحيط أسرتها وفى تربية أبنائها،فمنذ اللحظة التى تتزوج فيها الفتاة يكون شغلها الشاغل هى أن تسمع نبأ حملها فإن تأخر الحمل لسبب طبى،تسعى على الأطباء وتبدأ رحلة العلاج مٌضحية بالغالى والنفيس من أجل أن تصبح أماً، فاذا ما أنغرس الجنين بأحشائها تبدأ رحلة شاقة وقاسية تتحملها راضية هانئة،وتبدأ علاقة حب بينها وبين جنينها لا تنتهى،فتعتنى بنفسها،وتحرص على تغذيتها،من أجل هذا الكائن الرائع الذى ينمو باحشائها ويملك عليها كل مشاعرها،ويسكن مخيلتها،فإذا حانت لحظة المخاض تتحمل آلآم وأوجاع لا يٌطيقها أولى القوة من الرجال تنتهى جميعها برؤية طفلها،ومنذ تلك اللحظة تضطلع الأم بتربيه أبنائها فتهتم بمطعمهم وصحتهم وتعليمهم،وتحرص على تنشئتهم فتغرس فيهم السلوكيات الجيدة،والصفات الحسنة،والأخلاق الحميدة،والقيم الدينية،والمجتمعية،والثقافية.لذا يمكننا القول بأن الأم عمر كامل من العطاء المستمر طوال حياتها،ولا تنتهى بوفاتها وانما تظل هى مصدر إلهام لأبنائها،فى تربيتهم لأبنائهم أى جيل الأحفاد.

لذا أصبحت الأم فى كل الثقافات الإنسانية هى الشخصية المحورية،التى لا سبيل إلى إستقرار الأسرة إلا بوجودها،وحثت جميع الأديان السماوية،والديانات التقليدية( الوثنية)على برها،وعظمت مكانتها،ولذا فطاعة الأم من أهم التعاليم الدينية،ومن أهم العادات اليومية للغالبية العظمى من أبناء المجتمع المصرى تقبيل آيادي الأم قبل الخروج من المنزل والإستماع إلى دعواتها كنوع من أنواع التبرك،ومن أكثر الجمل الشعبية شهرة( يا بركة دعاكى يا أمه) والتى كثيراً ما يضعها البعض على وسائل النقل كسيارات الأجرة.

ولا يقتصر الإحتفال بعيد الأم على الأم فقط وإنما يمتد ليشمل الأخت الكبرى،والخالة،والعمة،والحماة لأن مكانتهم تقترب من مكانة الأم فى الثقافة الشعبية، فالأخت الكبرى أم برعايتها لأخوتها فى وجود الأم أو فى غيابها كما أن الأم تسعى على الدوام إلى تعزيز مشاعر وادوار الأمومة داخل الأبنه الكبرى تجاه أخوتها الصغار بصفتها إمتداد لها فى حياتها وبعد وفاتها.والخالة أم بنص المثل الشعبى(الخالة والدة) لشدة حنانها وتعلقها بأبناء الأخت ورعايتها لهم فى حال إنشغال الأم أو سفرها.كما أن الحماة بمثابة ألأم لأزواج أبنائها، ولا يمكن إغفال دورها فى رعاية أحفادها،ومحبتهم،وحنوها عليهم ويعكس المثل الشعبى تلك العلاقة الحميمة بقوله(أعز الولد ولد الولد)،ومن الأمثال الأخرى التى أكدت على ضروره  بر زوجه الأبن بأم زوجها وجدة أبنائها(دعوة الحماه زى دعوة الأم)، كما أنه من المستحب والمفضل ثقافياً أن تدعو زوجة الإبن الحماه بكلمة أمى تأكيداً لمشاعر المحبة بينهما، ولا يمكن أغفال دور زوجة الأب التى قامت بدور الأم البديلة فى حالة وفاة الأم،أو فى حالة عدم إنجابها،وفى حالة إنفصال الزوجين عن بعضهما ومارست معهم أدوار الأمومة المتعارف عليها أيضاً.والمعلمة بمثابة ام بما تقدمه من أدوار تربوية وتعليمية.لذا يمكننا القول أن للأمومة صوراً متعددة أعلاها الأم ويقترب من مكانتها كل من تقوم بادوارها،أوتربطها بها علاقة قرابة فى الثقافة الشعبية.

وتحتفل الأسر المصرية بعيد الأم من خلال الإحتفالات الأسرية التى يتجمع  فيها الأبناء والأحفاد وأزواجهم وما يقدمونه من هدايا فى صورة ملابس،أو حلى ذهبية وفضية،وأدوات منزلية،وقد أصبحت المحلات التجارية يستغلون تلك المناسبة ويقومون بعمل تخفيضات على غالبية السلع تشجيعاً لعملية الشراء كما تحرص المدارس بجميع المراحل التعليمية على إقامة حفل عيد الأم تقدم خلاله فقرات غنائية،شعرية،وتمثيلية لترسيخ قيم إحترام الأم،وطاعتها لدى النشأ الصغير ويتم خلال الحفل تكريم الأمهات المثاليات التى يمتاز أبنائها بالتفوق الدراسى وحسن الخلق.كما يتم تكريم مجموعة من الأمهات المثاليات على مستوى مراكز ومحافظات الجمهورية اللذين لم تمنعهن تدنى أوضاعهمن الإجتماعية والإقتصادية من تربية أبنائهن واستكمال دراستهم،ويقوم البعض بطباعة بعض أجزاء من القرآن الكريم،والأدعية الدينية وتوزيعها وإخراج الصدقات على روح الأم المتوفاه، وزيارة قبرها،وزيارة الأشخاص اللذين كانت تكن لهم مشاعر المحبة سواء فى محيط العائلة أو محيط الاصدقاء،ومن أشهر الأمثال الشعبية التى تحدثت عن الأم.

-.اللى من غير أم حاله يغم.

ويعكس هذا المثل مشاعر من فقد أمه لأنه مهما كانت أوضاع الفرد الإجتماعية،والإقتصادية،ومرحلته العمرية يظل وجود الأم قيمة كبيرة فهى بوصلة العطاء والأمان.

 -.الأم تعشش والأب يطفش.

ويشير المثل أن الاب وان كان صارماً مع أبنائه،فالأم تقابل شدته بحنانها المفرط،وتحرص على تقوية علاقة أبنائها بأبيهم معللة شدتة بخوفه عليهم،وتذكيرهم برعايته لهم وكفاحه من أجل إسعادهم.

-.قلبى على ولدى انفطر وقلب ولدى عليا حجر أو فيك بدادى وانت بتقطع أوتادى.

ويعبر المثل عن محبة الأم لأبنائها رغم ما قد تجده من جحود البعض،لأن حبها لهم فطرى،وليس مشروط.

-. ادعى على ولدى واكره اللى يقول أمين.

بمعنى أن الأم مهما غضبت من أبنائها تكره من يتحدث عنهم بسوء، وتحب من يحنن قلبها عليهم.

-. القرد فى عين أمه غزال

أى أن الأم لا ترى فى أبنائها ما يراه الناس من سوء فهى لا ترى فيهم إلا كل جميل.

والواقع اننا مهما قدمنا للأم فى يوم عيدها لن نوفيها حقها وكل ما أفرده تراثنا الشعبى من محبتها وحنانها لا يعكس إلا قدر ضئيل جداً من أفضالها،فهى جنه الله على ارضه ورضاه تعالى فى رضاها، كل عام وأمهاتنا بخير وسعادة فى عيدهم وفى غير عيدهم.ونسأل الله الرحمة والمغفرة لكل ام غابت جسدا وبقيت حية فى ذاكرة القلب، وقلب الذاكرة.

زر الذهاب إلى الأعلى