الحضارات لاتموت فجأة .. ولكن تغتال ببطء
كتب .. حماده مبارك
ليست الحضارات مجرد أبنية شاهقة اوطرق ممهدة اوتقنيات متقدمة ،بل هي منظومة متكاملة من القيم والعقول التي تصنع الانسان قبل أن تصنع المكان ، وإذا أردت أن ترى حضارة تنهار في صمت ، فلا تبحث عن الحروب وحدها ،بل انظر الى كيفية تعاملها مع معلمها وطبيبها وعالمها ، فإنها لا تحتاج إلى جيوش ولا أسلحة، ولا إلى حروبٍ طاحنة، فقط احتقر معلما، وأذل طبيبا، وهمش عالما ، وارفع من شأن التافهين، وسترى السقوط يأتيك طوعا دون عناء.
المعلم هو من يصنع العقول، ويزرع القيم في نفوس الأجيال ، حين يهان المعلم أو يهمش دورة ، تتحول المدارس إلى جدران بلاروح ، ويصبح التعليم تلقين بلا فهم ، وينشأ جيل لايعرف معنى الانتماء ولا يمتلك ادوات البناء ، ويصبح الجهل هو القاعدة، وينظر إلى العلم كعبء لا قيمة له.
والطبيب هو حارس الحياة، هو من يسهر على صحة الناس ويواجه المرض بكل إنسانية وعلم ، فإذا أُهين الطبيب وأضعفت مكانته، تدهورت المنظومة الصحية، وضاعت الرحمة من القلوب، وأصبح الإنسان رقما لا قيمة له، فتنتشر المعاناة ويعم الألم.
أما العالم، فهو نور الطريق، ذلك النور الذي يضيئ طريق المستقبل بالبحث والمعرفة ، فإذا تم تهميشه، ساد الظلام، وتوقفت عجلة التقدم، وأصبحت القرارات تبنى على الجهل لا على المعرفة، فتضيع الأمم في متاهات التخلف.
وفي المقابل، حين يرفع شأن التافهين، وتمنح لهم الكلمة، يصبح السطحية ثقافة، والتفاهة قدوة، ويقاس النجاح بعدد المتابعين لا بعمق التأثير، فتنهار القيم تدريجيا دون أن يشعر أحد.
إن الحضارات لا تموت فجأة، بل تغتال ببطء ، حين يهدم احترام العلم، وتكسر هيبة المهنة، ويستبدل الفكر بالضجيج.
فإن أردنا بناء حضارة حقيقية، فعلينا أن نعيد الاعتبار لمن يستحقون،
نكرم المعلم، نحترم الطبيب، نقدر العالم، ونقصي التفاهة عن صدارة المشهد.
فالأمم لا تبنى إلا بسواعد العقول، ولا تنهض إلا حين تعرف قيمة من يصنعون مستقبلها.






