كيف نقوم أنفسنا ؟

كتب .. حماده مبارك
تقويم النفس ليس ترفاً فكرياً ولا ممارسة وقتية، بل هو ضرورة إنسانية وأخلاقية، تعد أساساً لكل إصلاح حقيقي في الفرد والمجتمع، فالنفس بطبيعتها تميل إلى الهوى، وقد تنحرف إن لم تجد من يراجعها ويقوم اعوجاجها، ومن هنا جاءت أهمية محاسبة النفس وتقويمها باستمرار.
يبدأ تقويم النفس بالوعي، والوعي يعني أن يقف الإنسان مع ذاته وقفة صدق، ينظر فيها إلى أفعاله وأقواله ونواياه دون تبرير أو مكابرة، فالاعتراف بالخطأ أول طريق الصواب، ومن لم يعترف بعيوبه عاش أسيراً لها ، وليس الهدف من ذلك جلد الذات، بل إصلاحها وتهذيبها.
ومن أهم مظاهر تقويم النفس أن يسأل الإنسان نفسه ، هل ما أفعله يرضي الله؟ هل أظلم أحدا بقولي أو فعلي؟ هل قصّرت في واجباتي تجاه أسرتي أو عملي أو وطني؟ هذه الأسئلة البسيطة تصنع فارقاً كبيراً إذا خرجت من قلب صادق يبحث عن الحق لا عن المصلحة.
كما أن تقويم النفس يعلم الإنسان التواضع، فكلما راجع نفسه أدرك ضعفه وحاجته الدائمة للتقويم، فلا يتعالى على الناس ولا يدّعي الكمال. وهو أيضًا طريق للسلام الداخلي، لأن النفس التي تُراجع وتُهذّب تعيش في راحة وطمأنينة، بعيدة عن صراعات الكِبر والحقد والحسد.
وفي المجتمعات، لا يمكن أن يستقيم الحال دون أفراد يُقوّمون أنفسهم قبل أن يُطالبوا بتقويم غيرهم. فكثير من الأزمات تبدأ من نفوس لم تُراجع ذاتها، ولم تُحسن التمييز بين الحق والباطل، وبين النقد البناء والهدم المتعمد.
ويبقى تقويم النفس مسؤولية شخصية لا يمكن تفويضها، وهو جهاد يومي يحتاج إلى صدق وإرادة، فمن قوّم نفسه اليوم، وفّر على نفسه وعلى غيره كثيرًا من الأخطاء غدًا، وارتقى بذاته ليكون عنصر بناء لا هدم، وإصلاح لا فساد.
وقد حث القرآن الكريم على محاسبة النفس ومراقبتها، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، وهي دعوة صريحة لمراجعة الأعمال وتقويم السلوك قبل فوات الأوان.
كما أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:
“الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ”، فالعاقل هو من يحاسب نفسه، ويقوّم أخطاءه، ويسعى لإصلاحها.
فإن تقويم النفس ليس ضعفا ولا جلدا للذات، بل هو قوة ووعي، وطريق للإصلاح الفردي والمجتمعي، وسبيل لنيل رضا الله والفوز بالفلاح في الدنيا والآخرة.





