أهمية الوصايا القرآنية العشر

د.عمرو حلمي

أعزائي القراء لقد تناولنا في المقال السابق مفهوم الوصايا العشر إجمالا , وفي هذا المقال نستكمل الحديث عن أهمية الوصايا العشر.

 

لقد بدئت الآيات بقوله تعالى : {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151)وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام(151- 153)].

 

post

أي: قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين حللوا وحرموا حسب أهوائهم، تعالوا إليِّ وأقبلوا نحوي لأبين لكم ما حرمه ربكم عليكم، ولأتلو على مسامعكم ما أَمَرَكُم به ، وما نهاكم عنه خالقكم ومربيكم، فإنكم إن أقبلتم نحوي وأطعمتموني سعدتم في دينكم ودنياكم.

 

وفى تصدير هذه الوصايا بكلمة {قُلْ}: إشعار من أول الأمر بأن هذا بيان إلهي، ليس الرسول فيه إلا ناقلا مبلغا، وفيه أيضا دلالة على أن المأمور به يحتاج إلى مزيد عناية واهتمام.

 

والجدير بالذكر أن سورة الأنعام زاخرة بهذا الأسلوب التلقيني الذي يبدأ بكلمة:{قُلْ}.

والأصل في كلمة: (تعال)أن يقولها من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم اتسع فيها حتى عمَّت، وهى تتضمن إرادة تخليص المخاطبين ورفعتهم من انحطاط هم فيه إلى علو يراد لهم ويدعون إليه وتتضمن كذلك أن المتكلم يريد منهم أن يلتفوا من حوله لتتحد وجهتهم، ولا تتفرق بهم الأهواء والسبل.

 

وفى قوله:{أَتْلُ } إيماء قوى بأن المتكلم يقدر المخاطبين، ويرتفع بهم إلى درجة أنهم لا يحتاجون في الإرشاد إلا لأن يتلو عليهم ما يريدهم أن يعملوه ثم هم بعد ذلك سيمتثلون لحسن استعدادهم لقبول الحق.

وإنه لأسلوب قد بلغ الغاية في اللطف وفي التكريم وفي حسن الموعظة وتوجيه الخطاب.

 

وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا قد اشتملت على المحرمات وعلى غيرها

لأن سياق الآيات قبل ذلك كان منصبا على كشف ما اخترعه المشركون من تحريم في الحرث والنسل ما أنزل الله به من سلطان، ولأن بيان أصول المحرمات يستلزم حل ما عداها لأنه الأصل.

 

وفي نسبة التحريم إلى الرب الذي هو منبع الخير والإحسان. حض لهم على التدبر والاستجابة.

لأن الذي حرم عليهم ذلك هو مربيهم، فليس معقولا أن يحرم عليهم ما فيه منفعة لهم، وإنما هو بمقتضى ربوبيته قد حرم عليهم ما فيه ضررهم.

 

قال بعض العلماء: وهذه العبارة التي قدمت بها الوصايا وهى{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التي قام عليها الجدال في السورة قد أصبحت واضحة. لا مفر من قبولها والبناء عليها ، فالله تعالى يأمر رسوله بأن يبلغهم، وإذن فهناك إله من شأنه أن يرسل الرسل، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله، وهناك محرمات وردت من المصدر الذي يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب{مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ثم هناك لازم عقلي لهذا التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان مغضباً للرب الذى قرره. مستحقاً لعقوبته، وإذن فهناك دار للجزاء. ولننظر بعد ذلك في الوصايا.

 

وسنتعرف على الوصية الأولى من الوصايا العشر في المقال القادم إن شاء الله

زر الذهاب إلى الأعلى