النفاق .. جريمة أخلاقية تهدد قيم المجتمع
حماده مبارك
النفاق ليس مجرد صفة عابرة يتصف بها بعض من باعوا ضمائرهم؛ بل هو مرض خفيّ، يتسلل إلى النفوس فيفسدها، وإلى المجتمعات فيهد أركان الثقة بين أفرادها. إنه الوجه المزدوج الذي يرتديه البعض ليخفوا حقيقتهم، فيظهرون شيئًا ويُضمرون شيئًا آخر، فيتحدثون بلسانين، ويعاملون كل طرف بما يُرضيه، ومن الكذب سلّمًا للوصول إلى غاياتهم.
معنى النفاق وخطورته
النفاق في اساسه هو التناقض بين القول والعمل، وبين الظاهر والباطن، وبين ما يقوله الإنسان وما يفعله فعلًا. وهذه الازدواجية ليست مجرد خطأ أخلاقي، بل جريمة أخلاقية تهدد قيم المجتمع، لأنها تقوم على الهدم لا البناء، وعلى الغدر بدلًا من الوفاء، وعلى المصالح الشخصية على حساب الحقيقة.
النفاق يُفقد الإنسان قيمته، ويُسقط عنه الاحترام، ويجعله في نظر الآخرين شخصًا لا يُؤتمن على سر، ولا يُؤخذ بكلمته، ولا يُطمأن إلى مواقفه. فمن اعتاد لبس الأقنعة لا يمكن له أن يثبت على حال، ومن جعل الكذب وسيلته لن يستطيع أن يواجه نفسه يومًا.
أنواع النفاق ومظاهره
النفاق له صور متعددة، قد تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها في حقيقتها تحمل حقائق خطيرة، منها
النفاق الاجتماعي
وهو أن يُظهر الشخص للناس الخلق الحسن والوجه البشوش بينما يخفي في قلبه حقدًا أو حسدًا أو كرهًا لهم. وهو أكثر الأنواع انتشارًا في المجتمعات، ويظهر غالبًا في العلاقات اليومية، حيث يتقرب المنافق ممن يظن أنه سيحقق له منفعة أو مصلحة.
النفاق العملي
حيث يقول الإنسان ما لا يفعل، ويعد بما لا يلتزم، وينصح غيره بما لا يطبقه على نفسه. وهذا النوع يُفقد صاحبه المصداقية
النفاق الأخلاقي
وهو الذي يقوم على تزييف الحقائق، وتجميل الباطل، وإخفاء الأخطاء، وتقديم صورة مصطنعة للناس، ليظهر الإنسان بما ليس فيه.
النفاق في العلاقات الشخصية
ويحدث عندما يقترب الفرد من الآخرين بدافع المصلحة، فيُظهر المودة أمامهم بينما يطعنهم من خلف ظهورهم، فيُفسد العلاقات ويهدم الثقة.
لماذا يلجأ البعض للنفاق؟
يلجأ البعض للنفاق ظنًا منهم أنه طريق سهل للوصول إلى ما يريدون، سواء كان ذلك منصبًا أو مكانة أو منفعة من الآخرين. وقد يكون الدافع خوفًا من المواجهة، أو ضعفًا في الشخصية، أو رغبة في كسب الجميع ولو بالكذب. والمؤسف أن المنافق يعيش حياة مزدوجة مرهقة، فهو يراقب كلامه ووجوهه وحديثه، يخشى انكشاف أمره ويخاف سقوط قناعه.
أثر النفاق على المجتمع
النفاق ليس ضررًا فرديًا فقط، بل هو وباء يهدد المجتمع بأكمله، لأنه
يهدم الثقة بين الناس ويجعل العلاقات هشة.
يعطل التقدم ويؤخر الإصلاح، لأن المنافق يزيّف الحقائق ويخفي الأخطاء.
يبث روح الشك والخوف بين الأفراد.
يجعل الكذاب مقربًا والصادق مُهمَّشًا، لأن المنافق يعرف كيف يتقرب للنفوس بالكلام المعسول.
ومتى سيطر النفاق على مجتمع، سقطت القيم، وانتشرت الفوضى، وضاعت الحقوق بين المدّعين.
كيف نتجنب النفاق؟
الوقاية من النفاق تبدأ من الداخل، من صدق الإنسان مع نفسه قبل صدقه مع الآخرين. ويمكن تجنبه من خلال
الالتزام بالصدق قولًا وفعلًا.
مواجهة النفس بكل أخطائها دون تزييف.
الوفاء بالوعود وعدم المبالغة في الكلام.
اختيار الرفقة الصالحة التي تساعد على الثبات على الحق.
ألا يقول الإنسان ما لا يشعر به، وألا يعد بما لا يستطيع تحقيقه.
خاتمة
يبقى النفاق من أخطر الصفات التي قد يمتلكها إنسان، لأنه يهدم قيمته وكرامته قبل أن يهدم علاقاته. والإنسان الصادق مهما تعب في بداية الطريق، سيصل في النهاية، أما المنافق فيظن أنه في أمان بينما هو في الحقيقة يسير على خيط ضعيف قد ينقطع في أي لحظة.
فالنحافظ على صفاء قلوبنا، ولنتمسك بالصدق مهما كان الثمن، فالقلب النقي ينام مرتاحًا، أما قلب المنافق فهو سجين أقنعته، لا يهدأ ولا يستريح.






