الصين. جملة من التحديات تحت وطأة سلسلة من البيانات الاقتصادية

 

أيمن بحر

يواجه الاقتصاد الصينى جملة من التحديات تحت وطأة سلسلة من البيانات الاقتصادية المخيبة للآمال ومع الصعوبات التى تواجهها بكين فى تحسين نموها مع تباطؤ الانتعاش الاقتصادى فى مرحلة ما بعد كورونا بسبب ضعف إنفاق المستهلكين خصوصا وهو ما يطرح تساؤلات عن تأثير ذلك على دول أخرى حول العالم؟ وكيف تؤثر الإجراءات التى تتخذها الحكومة الصينية فى استعادة الثقة؟

دخل قطاع المستهلكين فى الصين مرحلة انكماش للأسعار وواصلت أسعار المنتجين تراجعها فى يوليو فى الوقت الذى يكافح فيه ثانى أكبر اقتصاد فى العالم لإنعاش الطلب ومع تزايد الضغط على بكين لاتخاذ المزيد من إجراءات التحفيز المباشرة

تضع تلك المؤشرات السلبية الاقتصاد الصيني عديدا من دول العالم التى تعتمد على التبادل التجارى مع بكين أمام مجموعة من التحديات والفرص وسط تحليلات متباينة حول ما إن كان لانخفاض الأسعار تأثير ضاغط خارج حدود الصين فى الأماكن التى لا يزال فيها الخطر الأكبر يتمثل فى استمرار فترة طويلة من التضخم المرتفع أم لا؟

ف لو هذا السياق أشار تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية إلى أن انخفاض الأسعار سيؤدى إلى خفض تكلفة الواردات للدول المستوردة من الصين ولكن من غير المحتمل أن يكون لذلك تأثير كبير فى أماكن أخرى من العالم.

يدعم ذلك ما يشير إليه اقتصاديون بأنه لا يوجد سبب للقلق وأنه من المرجح أن يكون الانكماش الصينى مؤقت.

وتشير الصحيفة إلى أن الانتعاش الاقتصادى بعد إعادة الافتتاح كان مخيبا للآمال -لا يزال قطاع العقارات مصدر قلق خطير – لكن الناتج لا يزال ينمو ولا يزال التوسع بنسبة تقترب من 5 بالمئة هذا العام.

نقلت الصحيفة عن كبير الاقتصاديين فى يو بى إس بول دونوفان قوله إنه فى حالة الركود الصينى من المرجح أن تثبت ضغوط الأسعار أنها محلية بشكل مكثف.كما قال دنكان ريجلى كبير الاقتصاديين الصينيين فى بانثيون للاقتصاد الكلى: لا يزال تعافي الاستهلاك فى الصين ضعيفًا وغير متساوٍ لكن هذا بعيد كل البعد عن الانكماش على غرار اليابان لكن الصحيفة أفادت فى الوقت نفسه بأن تباطؤ النمو فى الصين يمكن أن يساعد أوروبا حيث ستستفيد الدول الأوروبية من ضعف الاقتصاد الصينى الذى يضع منافسة أقل على إمدادات الغاز الطبيعى الروسية.يقول الباحث فى الاقتصاد السياسى والعلاقات الدولية أبو بكر الديب فى تصريحات خاصة إن الصين تمثل ورشة العالم وثانى أكبر اقتصاد وهى تسهم بمعدل 40 بالمئة فى معدلات النمو العالمية وبالتالى فإن التباطؤ الاقتصادى فى الصين سيؤثر بالطبع على الناتج الإجمالى العالمى وسيحدث مشكلات فى العالم الذى يعانى من موجة تضخمية غير مسبوقة بعد انتهاء تداعيات جائحة كورونا واستمرار الحرب فى أوكرانيا وأكثر من 14 ألف عقوبة أميركية وأوروبية على روسيا والتى أضرت بحركة الاستثمارات العالمية وسلاسل الإمداد.

وتشير بيانات المكتب الوطنى للإحصاء إلى أن: مؤشر أسعار المستهلكين انخفض 0.3 بالمئة على أساس سنوى فى يوليو مقارنة مع متوسط ​​تقديرات بانخفاضه 0.4 بالمئة.هذا هو أول انخفاض للمؤشر منذ فبراير 2021.
هبط مؤشر أسعار المنتجين للشهر العاشر على التوالى بتراجعه 4.4 بالمئة وهو ما تجاوز التوقعات بانخفاضه 4.1 بالمئة.

وتعد الصين أول اقتصاد فى مجموعة العشرين يسجل انخفاضا على أساس سنوى فى أسعار المستهلكين منذ آخر مرة سجلت فيها اليابان قراءة سلبية لمؤشر أسعار المستهلكين العام في أغسطس 2021، ويزيد ذلك المخاوف إزاء تضرر الأعمال بين الشركاء التجاريين الرئيسيين.

ويضيف الديب: لكن لحسن الحظ فإن الركود فى الصين مؤقت وتحت السيطرة حيث نمو الناتج المحلى فضلا عن خبرة الدولة الممتدة لسنوات طويلة مع الأسعار المنخفضة.. وعلى العموم حتى الآن مازالت تبعات الركود الصينى معقولة داخلياً وخارجياً.

وتسير الصين بثبات نحو مستهدفاتها للنمو الاقتصادي ضمن سياسة صفر كوفيد عقب إنهاء قيود الإغلاق الصارمة للحد من تفشى فيروس كورونا وقد حددت النمو المستهدف لاقتصاد البلاد هذا العام بنحو 5 بالمئة.

ويرجع تباطؤ الاقتصاد الصينى إلى عدة عوامل أهمها تراجع الطلب العالمي مع بدايات 2023، وتعمق الأزمة فى منتصف العام بسبب سياسة التشدد النقدى للفيدرالى الأميركى ورفعه المتكرر للفائدة.وعلى صعيد آخر، فإن تباطؤ الاقتصاد الصينى من شأنه خفض معدل التضخم في الداخل وبالتالى تراجع معدلات التضخم في الأسواق المعتمدة على المنتجات الصينية كما قد تمتد الضغوط الانكماشية التى يواجهها الاقتصاد الصينى إلى بقية الأسواق العالمية ما قد يساعد البنوك المركزية للدول الغربية فى خفض معدلات التضخم، بحسب الديب.

وتتهم الصين الإعلام الغربي بتضخيم المشكلات الاقتصادية التى تعانى منها.

فيما تركز أسواق النفط العالمية اهتمامها على الاقتصاد الصينى لتحديد اتجاهات أسعار الخام نظراً لأن الصين هى أكبر دولة مستوردة للنفط فى العالم.ومؤخرا التقى البنك المركزى الصيني والهيئات التنظيمية المعنية بالقطاع المالى مع المسؤولين التنفيذيين فى البنوك وطلبوا منهم مرة أخرى زيادة عمليات الإقراض لدعم الانتعاش في علامة جديدة على القلق المتزايد من جانب صانعى السياسة بشأن الآفاق الاقتصادية.

ويتصاعد القلق من أن تكون الصين بصدد مرحلة من التباطؤ الشديد فى النمو الاقتصادى تشبه ما تسمى بفترة العقود الضائعة فى اليابان التي شهدت ركودا في أسعار المستهلكين والأجور على مدى جيل كامل وهو ما سيتناقض بشكل واضح مع التضخم السريع في باقى دول العالم..

يقول الخبير الاقتصادى المتخصص فى الشؤون الصينية الدكتور جعفر الحسيناوى فى تصريحات خاصة إنه من الأمور المسلم بها هو الأثر الاقتصادى المتبادل بين الصين وشركائها في التبادل التجارى فإذا ما تباطأ الاقتصاد الصيني فإن تأثيراته سوف تشعر بها الأطراف الأخرى وعلى الفور.

وأضاف: الأمر الواضح في المخاطر التي تواجه الاقتصاد الصينى هو الاعتماد المتبادل على الشركاء كون الصناعة الصينية تعتمد كثيراً على مصادر الطاقة والمواد الأولية الداخلة فى التصنيع على الدول الممولة لها هذا من جهة والاعتماد الآخر على التصدير إلى الدول المستهلكة من جهة أخرى، ففي حالة حدوث أى طارئ فى مناطق التوريد أو التصدير سوف يكون له الأثر الكبير الذى تستشعره تلك الدول.وتكشف البيانات الرسمية عن انكماش نشاط المصانع الصينية للشهر الرابع على التوالى فى يوليو فى الوقت الذى أصدرت فيه السلطات تدابير جديدة بهدف إنعاش ثانى اقتصاد عالمى.

وبلغ مؤشر مدراء مبيعات التصنيع وهو مقياس رئيسى 49.3 أى دون عتبة الخمسين نقطة التى تفصل بين النمو والانكماش بحسب أرقام المكتب الوطنى للإحصاءات.

وجاءت نتيجة يوليو أعلى بقليل مما كان مسجلا في يونيو عندما بلغ المؤشر 49 وكانت أفضل مما توقعه استطلاع أجرته وكالة بلومبرغ.ويشير الخبير الاقتصادى المتخصص فى الشؤون الصينية إلى التعويل على الإجراءات الحكومية الصينية لإنعاش الاقتصاد بقوله: الاقتصاد الصينى كبير ومتشعب ويكاد يعتمد على التبادل التجارى مع جميع دول العالم.. والحكومة الصينية حذرة وتستشعر المخاطر التى تهددها لذلك اتخذت جملة بدائل ممكنة فى حالة وقوعها كاستحداث طرق مواصلات وشبكات اتصالات متطورة وتخزين مواد أولية كبيرة فهى جديرة بالمناورة واحتواء الأزمات وهذا ما يشعر المستثمر بنوع من الطمأنينة.

وكانت الحكومة الصينية قد كشفت فى وقت سابق عن خطة من 20 بندا لزيادة الاستهلاك تشمل دعما أكبر لاستهلاك الأسر ولقطاعى الثقافة والسياحة والاستهلاك الأخضر مثل السيارات الكهربائية.

وخفض البنك المركزى الصينى الاثنين نسبة فائدة مرجعية بعد اتخاذ إجراء مماثل الأسبوع الماضى سعيا لدعم النمو المتباطئ وتحفيز النشاط فى ثانى قوة اقتصادية فى العالم.

وأقرت الصين الأربعاء بأن تعافي ثاني أكبر اقتصاد عالمى فى مرحلة ما بعد الجائحة سيكون صعبا لكنها دحضت الانتقادات الغربية بعد سلسلة من المؤشرات الاحصائية المخيبة.

ودعا الزعيم الصينى شى جين بينغ إلى التحلى بالصبر فى خطاب نُشر فى مجلة رسمية بالتزامن مع محاولة الحزب الشيوعى الحاكم التصدى للركود الاقتصادى المتفاقم.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: