حوار حول تاريخية الجزية في الإسلام

حواري مع الدكتور السيد إبراهيم أحمد

روعة الدندن


أدارت الحوار
الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن – مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني
مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية
مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة

ضيف الحوار
د.السيد إبراهيم
رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام
عضو شعبة المبدعين العرب بجامعة الدول العربية

يحلو للبعض التهجم على الإسلام من خلال موضوع “الجزية” مع كونها صارت أمرا تاريخيا، بالإضافة إلى أن من يناقشونها لم يدرسونها بحيادية وعلم وتجرد وتعمق، ولأن الدكتور السيد إبراهيم له موسوعة في السيرة النبوية عالجت كثير من الشبهات المثارة حول الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، مما استدعى فتح النقاش بموضوعية وعصرانية وحيادية معه لينتفع به المسلم وغير المسلم على السواء:

ـ دكتور السيد إبراهيم: عهد الجزية لا يعود للإسلام كما يدعيه البعض، فهل هذا عائد للخطاب الديني الإسلامي أو هو مقصود من الشرائع الأخرى أم كليهما معا، وعدم نشره في المناهج لجميع الشرائع للتصدي لكل فكر متشدد من الجميع؟

post

من جديد أبدأ بالترحاب بكاتبتنا الكبيرة روعة محسن الدندن في هذا الحوار الذي سيعري كثير من المقولات والشبهات المثارة حول النيل من عظمة الدين السماوي الحق، وهو ليس بالأمر الجديد، وليس بالأمر الذي سينتهي عند الرد على مثل هذه الأكاذيب المغرضة التي تفتقد للحياد العلمي، والتجرد، والنزاهة، والموضوعية، والأدلة على ذلك أكثر ممن تحصى على مستوى التشريع أو على مستوى الأحداث التاريخية من عهد النبوة التي تعاملت مع الجزية باعتبارها خروجا من مبدأ الكراهة على اعتناق الإسلام من غير المسلمين بممارسة التخيير بين القتال أو اعتناق الإسلام أو فرض الجزية، وهو أمر يتسم بالعدالة المحضة، كما يتسم باحترام المسلمين لشروطهم في تعاقداتهم.

كل أهل العلم والتاريخ من كل الأديان والملاحدة على السواء يعلمون تمام العلم اليقيني عبر دراسة العصور السابقة، أن الجزية أمر معروف ومطبق عند الساسانيين والبيزنطيين بل وفي العهدين القديم والجديد والنصوص على ذلك كثيرة، والتفسيرات الشارحة لها تقرها وتبينها ولا تستهجنها ولا تنفيها، مما يعني دحض الافتراءات التي تدَّعي أن “الجزية” اختراع وابتداع إسلامي غير مسبوق، وبالتالي ينفي هذا الزعم زعم آخر بأنه محاولة إسلامية لسرقة أموال الشعوب، وما بني على خطأ وكذب فهو كذب وخطأ مثله، كما ادعى ممن لا خلاق لهم ولا مسحة من علم ولا دين، أن الجزية كانت مبلغا كبيرا حتى يعجز غير المسلم عن دفعه فيضطر اضطرارا للدخول في دين الإسلام وهو كاره، وهذا كذب وافتراء لأن “الإكراه في الدين” منهي عنه بالنص القرآني الثابت القاطع، كما ادعوا أن الجزية في الإسلام عمومية شاملة لا تقبل التفرقة بين الكبير ولا الصغير، وبين الفقير وبين القادر، وبين الشيخ وبين الشاب.

ولقد رد عن المسلمين المؤرخ “آدم ميتز” في كتابه: “الحضارة الإسلامية”: (كان أهل الذمة يدفعون الجزية، كل منهم بحسب قدرته، وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون، وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار)، بالإضافة إلى أنها كانت مبلغا بسيطا يدفعه فقط الرجل القادر على القتال، وتسقط الجزية على بساطة مبلغها عن: [النساء، والذرية “الصغار”، والعبيد، والمجانين المغلوبين على عقولهم، والشيخ الفاني]..

كما يقتضيني الإنصاف ليس لديني باعتبار المعتقد بل باعتبار كونه دين رباني المصدر إنساني التطبيق، وهو ما ينفي مبدأ إكراه أحد على الدخول في الإسلام، مما يتوهم البعض أن الجزية كانت عقوبة إلهية لعدم الإيمان بالإسلام، وحاشا لله أن يكون كتاب الله متناقضا، بل الجزية ضريبة تؤخذ من غير المسلم نظير الانتفاع بالمرافق العامة للدولة، وكذلك ضريبة للدفاع عنهم من أي اعتداء خارجي، فأين كل هذا مما يقولون، والحمد لله فهو ثابت عبر الدراسات التاريخية العلمية المحكمة.

ـ إذن فما الغاية من الجزية، وممن تؤخذ، ومن أعفي منها في الإسلام؟

لقد بينتُ في إجابتي السابقة كاتبتنا الكبيرة أن الجزية ليست غاية أبدا من غايات نشر الإسلام في الأمم، ورحم الله من قال عن المسلمين: (نحن دعاة ولسنا قضاة، هداة ولسنا جباة، ولاة ولسنا قساة، مهمتنا البلاغ، مهمتنا فذكر فإنما أنت مذكر، مهمتنا أن نهدي بمعنى: أن ندل الناس على طريق الخير دلالة بالبيان، ودلالة بالعمل والسلوك والحال)، وإذا كانت الجزية هي موردًا من موارد بيت مال المسلمين باعتبارها مالا مقدرا يؤخذ من الذمي، ويلتزم به إذا ما دخل في ذمة المسلمين بأدائها إلى الدولة الإسلامية في حال اختياره البقاء على دينه أو معتقده، غير أن الجزية تسقط بعد وجوبها إذا أسلم الذمي، أو عجزت الدولة المسلمة عن حمايته، كما تسقط بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء، وعن الفقير، وعن المريض بمرض مزمن، ولقد ردّ أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الجزية إلى الذميين في بعض مدن الشام عند عجز الجيش الإسلامي عن حمايتهم، كما وجب التنبيه إلى أن الجزية لا تجب إلا مرة واحدة في العام دون تكرار.

لقد ظل مقدار الجزية ثابتا طوال التاريخ الإسلامي؛ فلم تتجاوز الأربع دنانير سنويا، بل يمكن أن تقل إلى الدينار، وذلك بحسب حال من يدفع الجزية، وقد أوصى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من بعده بأهل الذمة: (وألا يكلفوا فوق طاقتهم)، ويشهد المؤرخ بنيامين في القرن الرابع الهجري: (أن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون ديناراً واحداً).

ـ دكتور السيد إبراهيم، اليوم في أمريكا على سبيل المثال: يوجد هناك مايسمى بالضرائب! والضريبة هي مبلغ مالي يقتص من أموال الامريكيين و تودع مع أموال الدولة, والهدف من هذه الضرائب هو دعم اقتصاد الدولة التي ستوفر الأمن والرخاء للمواطن الامريكي، وسؤالي : ما هو الفرق بين الجزية والضريبة والزكاة؟

لقد تم التعريف بالجزية بأنها ضريبة سنوية تؤخذعلى الرؤوس لا على الأرض، ومقدارها المالي ـ كما بينت سابقا ـ زهيدًا يدفعه الرجال البالغين القادرين، بحسَب ثرواتهم، أما الفقراء، فيعفون منها إعفاء تامًّا، على أن ليس للجزية حد معين عند تحصيلها، لكونها ترجع إلى تقدير الإمام، الذي يجب عليه مراعاة طاقة من يؤديها ولا يرهقه، في الوقت الذي يجب عليه فيه مراعاة مصلحة الأمة، وفي مقابل أخذ الجزية كان الإسلام يقوم بكفالة المساكين والمقعدين والعاطلين عن العمل من أهل الذمة، من أجل خلق حالة من التوازن الاقتصادي والاجتماعي، تتماشى مع إحداث قدر من العدالة بين المسلم الذي يدفع الضريبة التي عليه وبين الذمي الذين يدفع جزية ضئيلة ليتنعم بخدمات الدولة الإسلامية التي يعيش فيها دون دفع أية ضريبة من قِبله!

الزكاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وثابتة بالكتاب والسنة والإجماع كما هو معلوم، وتجب على كل مسلم ومسلمة مَلَكَ نصابًا وحال عليه الحول فيما يشترط فيه ذلك. وتحديد النصاب من قبل الشريعة الإسلامية بحسب كل صنف من أصناف الأموال المزكَّاة، وقد اتفق الصحابة على قتال من يمتنع عن أدائها، كما أن من أنكر وجوبها فقد كفر، ولكن لا يكفر من منعها وهو معتقدًا وجوبها، غير أن الزكاة ليست حقًا موكولاً للأفراد يؤديه منهم من يشاء ويدعه من أراد، بل هي حق عام يتولاه الإمام وولاته فيقومون بجبايته ممن تجب عليه، ويصرفونه إلى من تجب له، ومن هنا تبدو الحكمة الجلية في دفعها للإمام الذي بجمعها ثم يتولى توزيعها دون قيام المالك بتوزيعها بنفسه، لأن هناك ممن ماتت قلوبهم وأكلوا حق الزكاة وهي حق للفقير، كما أن دفعها من قبل الحكومة وليس من قبل المزكي مباشرة حفظا لكرامته، ودفعها من قبل الحكومة سيكون أكثر عدالة وتنظيما.

ـ من الأهمية بمكان توضيح الفرق بين الزكاة والضريبة يا دكتور؟

نعم، ولهذا أرجأتها للنهاية، مع ضرورة معرفة مفهوم الضريبة في الفكر المالي الحديث باعتبارها فريضة إلزامية نقدية يلتزم الممول بأدائها إلى الدولة، تبعًا لمقدرته على الدفع، بغض النظر عن المنافع التي تعود عليه من وراء الخدمات التي تؤديها السلطات العامة، وتستخدم حصيلتُها في تغطية النفقات العامة من ناحية، وتحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من ناحيةٍ أخرى، بينما الزَّكاة حق لله تعالى، فرضه في أموال المسلمين شكرًا منهم لنعمته تعالى وتقربًا إليه، وتزكيةً للنفس والمال..

وبناء على ما تقدم تُحصِّل الدولة الضريبة من كافة المواطنين المقيمين على أرضها على اختلاف معتقداتهم، بينما الزَّكاة فريضة خاصة بالمسلمين فقط، ولذا فهي عبادة مالية مقترنة بإيمان صاحبها، مدى احتسابه لله تعالى، بينما الضريبة ليست إلا فريضة مالية، تفرضها الدولة، لا علاقة لها من بعيد أو قريب بمدى إيمان صاحبها من عدمه، ولذا فهي تجب في جميع الأموال، دون التفريق بين مال أتى من طيب أو كان مصدره خبيث، أو كان من الأموال النامية أو غير النامية، وتتفرد الزَّكاة بوجوبها فقط في الأموال الطيبة النامية، وإذا كانت الزَّكاة ثابتة المقدار، لأنها تفرض بنسبة ثابتة، لا تتغير بتغير الحاجات، إلا أن الضَّريبة متغيرة المقدار، لكونها تتغير بتغير النفقات العامة للدولة التي تُصرف فيها، ومنها المرافق العامة من صحة، وتعليم، ودفاع، وأمن، وطرق، وغير ذلك، بينما لا تصرف الزَّكاة إلا في المصارف الثمانية المنصوص عليها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60].

غير أنه يجب التنبيه إلى أن الضرائب لا تُغني عن أداء الزَّكاة، كما لا تُغني الزَّكاة عن أداء الضرائب، حيث أن الإسلام يبيح للدول أن تفرض ضرائب على مواطنيها للصرف منها على المرافق مقابل الخدمات التي يحصل عليها الأفراد، غير أن الزَّكاة تؤخذ من الأغنياء الذين يستوفون شروط وجوبها ويملكون نصابها، وتصرف في مصارفها الثمانية، بينما الضرائب تفرضها الحكومات، ويتم تحصيلها من الفقراء، وأوساط الناس، وينتفع بها الأغنياء، على خلاف الزَّكاة التي يتم تحصيلها من أموال الأغنياء، وتُعطَى للفقراء، فإن ذلك بمثابة توزيع عادل للثروات داخل المجتمع، بما يقارب من تقليل الفجوات بين الطبقات، ويمنع تكدس الأموال في يد جماعات قليلة، تُترك لهم الفرصة في التحكم في اقتصاد البلاد وآليات السوق وتوجيهها لصالحهم مباشرة.

ـ وأيهما أفضل من وجهة نظرك يا دكتور؟

ما من شك كاتبتنا الكبيرة روعة هانم أن الزَّكاة باعتبارها فريضة ربانية، وصناعة إلهية لم يحدد مصارفها بشر تظل هي الأفضل والأكثر فاعلية من الضرائب في تحقيق مجموع الأهداف الاجتماعية لكافة الطبقات المجتمعية، لأنها واسعة المقدار، وتتميز بسهولة التحصيل؛ فالناس ـ في أغلبهم ـ يلجأون للتحايل من أجل التهرب من دفع الضرائب، حتى أوجدت الحكومات إدارات لمكافحة التهرب الضريبي، على خلاف الزكاة التي يدفعها المسلمون طواعية من أجل تحقيق البركة وتعميمها وسريان النماء وشيوع الطهارة، كما تتميزالزَّكاة بتحديدها الواضح، فالمسلم يعلم ميعاد دفعها مثلما يعلم طريقة الدفع والقيمة المطلوبة والمفروضة عليه لأدائها، وأنه سيثاب على فعلها مثلما سيأثم على تركها تماما بتمام.

ـ يتساءل البعض هل يعقل أن يتم أخذ مبالغ من المسلمين أكبر من الغير المسلمين من خلال دفع المسلمين لزكاة وبينما الجزية لا تتعدى أربعة دنانير في العهد الأموي دينار واحد سنويا في عهد النبي صل الله عليه وسلم؟

هذا دليل على إنصاف الإسلام لأهل الكتاب من الذين رضوا بالبقاء على دينهم، بأن ما يدفعونه أقل بكثير مما يدفعه المسلم الذي كان يدفع 2.5٪ من إجمالي ماله إن كان قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، وهو ما يعني أن المبالغ التي كان يدفعها المسلمون في الزكاة كانت أضعاف ما كان يدفعه أهل الكتاب وغيرهم في الجزية، ولكنها بالضرورة أمر رباني ارتضاه العباد من رب العباد دون اعتراض، وهم الأغلبية ويعلمون أن العوائد ستعود بالضرورة على حال إخوانهم من الفقراء، ومظاهر الطاعة لله فيها بادية، وإن غابت الحكمة الإلهية عن عقل المسلم لقصوره، كان عليه التنفيذ بمجرد صدور الأمر وليس عليه الإرجاء لحين الفهم، ومهما بلغت الجزية فليست الغاية منها الجباية، وإنما طريق للهداية، كلما أعمل الذمي عقله في اختيار الطريق الأقوم له ولدنياه وآخرته، غير أن أحدًا من المسلمين لا يستطيع أن يقول بانتفاء العدالة بل يحمد ربه على نعمة عبادته له بالتوحيد.

ـ في نظام أي دولة من هو المقيم والمواطن وهل يعتبر أهل الذمة مواطنين؟

يجب العلم أن تعريف الإقامة مختلف ما بين دولة وأخرى وبين قانون وآخر، وهناك من يظن أن المواطنة والإقامة الدائمة شئ واحد، وهذا غير صحيح بالمرة، فعلى الرغم من أن لكل من المواطنين والمقيمين الدائمين الحق القانوني في العيش في بلد بشكل دائم، إلا أن المقيم الدائم لا يتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن. ذلك أن المقيم الدائم هو فرد تم منحه الحق القانوني في العيش في بلد ما بشكل دائم، لكنه ليس مواطنا في ذلك البلد، وبالتالي ليس له نفس الحقوق التي يتمتع بها المواطن؛ إذ لا يمكنه التصويت أوالترشح للمناصب العامة، كما لا يمكنه امتلاك أنواع معينة من الخصائص، غير أنه يمكنه التقدم بطلب للحصول على الجنسية بعد الانتهاء من فترة الإقامة المحددة، كما أن من حق الدولة التي يقيم فيها إلغاء الإقامة الدائمة له إذا ارتكب جريمة خطيرة.

ولقد أصدرت دار الإفتاء المصرية رأيها في أهل الذمة والمواطنة بأن الدولة في شكلها الحديث تقوم على مبادئ المواطنة وسيادة القانون والعقد الاجتماعي، فلم تعد تفرق بين مسلم وغير مسلم، والجميع سواسية أمام القانون، وكذلك متساوون في الحقوق والواجبات، لذلك لا فرق بين مسلم وغير مسلم في تحمل الأعباء أو نيل الحقوق، ومن ثم فلا يجوز فرض “جزية” على غير المسلمين بحجة حمايتهم أو احتفاظهم بدينهم، فمبادئ الدولة الحديثة لا تفرق بين مواطنيها في الخدمة العسكرية أو في القضاء وغيرها من الأمو، كما أنها لا تُكرهِ الناس على اعتناق دين بعينه، وقد أكد سماحة الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر أنه لا محل ولا مجال أن يطلق على المسيحيين أنهم أهل ذمة بل هم مواطنون، ولا مجال لأن يكون هناك كلام فيما يسمى بالجزية أو فيما يسمى بهذه المصطلحات التي كان لها سياق تاريخي معين انتهى الآن، وتبدَل نظام الدولة وتبدلت فلسفات الحكم، منوهًا بأن الإسلام الآن يتبنى مفهوم المواطنة الذي تبناه النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان رئيسًا لأول دولة إسلامية ظهرت في التاريخ.

ـ بعض من ادعوا أنهم ينفذون شريعة الإسلام من خلال اجبار أهل الذمة على دفع الجزية أو قتلهم في حال عدم إسلامهم وخاصة في النزاعات ومنهم من اطلقوا على أنفسهم طالبان أو داعش أو الإخوان وقد حذر رسول الله صل الله عليه وسلم من ظلم أهل الذمة حيث يقول صلى الله عليه وسلم في التحذير من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم: «من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة»، ويقول: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا» فهل من ديننا ما ينسبه هؤلاء للإسلام؟

يجب التفرقة بين الشريعة الإسلامية السمحاء وبين ما يدَعيه أولئك الذين يتمسحون فيها، أو يدعون الحديث باسمها، فلا جزاهم الله خيرا، ومثلما نفرق بين الجماعات المسيحية اليمينية والمتطرفة في كثير من أنحاء أوروبا وضد كل ما ترتكبه في حق المسلمين القائمين على أراضيهم بل وممن هم من جنسياتهم وبين المسيحية دين المحبة، يجب التفرقة بين ما تقوم به داعش وبين تعاليم الإسلام، ولقد قالت دار الافتاء المصرية إن فرض تنظيم داعش “الجزية” على المسيحيين يعتبر نهبا وسرقة لأموال الناس بالباطل، مشيرة إلى أن الدولة الحديثة تساوي بين المواطنين، بينما دعا الأزهر إلى الحوار بين الأديان لوقف الحروب وحل أزمة اللاجئين، معتبراً أن العالم صار أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى الحوار بين الشعوب والأمم.

لقد كنت في محاضراتي مع الشباب المصري والعربي المتزوج من أجنبيات ومنهن من أسلمن ومنهن من بقيت على دينها أن يحسنوا إليهن، وأنهم مسئولون عنهن أمام الله، وكنت أحذر من يفكر أن يستولي على مال إحداهن للزواج من مصرية أوعربية من بلده، وأخبرتهم أن دعوتها ستكون مستجابة عند الله فيه وإن كان مسلما لأنه سيكون ظالما لها والله لا يفرق بين عباده، وأقسم على نفسه لينتصرن للمظلوم ولو كان كافرا، هذا هو الإسلام الحق والعدل.. الدين الرباني المصدر.. الإنساني التطبيق.. الذي يقوم على العدالة والمساواة والحق.

ـ لا أملك في النهاية سوى أن أتقدم بالشكر العميق للدكتور السيد إبراهيم أحمد، لتناوله في سلاسة ووضوح قضية وإن كانت تاريخية إلا أن هناك من يحاول ربطها بالإسلام للنيل منه، إلا أن حوارنا هذا قد كشف المستور وأثلج الصدور .. وعلى أمل اللقاء بكم في حوار جديد أترككم في أمان الله وأمنه حتى نلتقي.

زر الذهاب إلى الأعلى