بداية التاريخ الإسلامي وعلاقته بالهجرة النبوية

بقلم : د / عمرو حلمي
كان العرب في الجاهلية وقبل البعثة النبوية يؤرخون بالأحداث العظيمة كحادثة الفيل, لهذا اصطلح المؤرخون على أن العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم يعرف بـ «عام الفيل».
وأما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمر بالتأريخ بعد قدومه إلى يثرب، وقد حدث هذا التأريخ منذ العام الأول للهجرة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُرسل الكتب إلى الملوك, والأمراء, ورؤساء القبائل المختلفة بتاريخ الهجرة، وهذا التأريخ مشاهد وملاحظ في كتب السيرة النبوية, وكذلك في كتب التاريخ الإسلامي.
وأما الاعتماد الرسمي للتاريخ الإسلامي الهجري فكان في عام 17 هـ في عهد الخليفة عمرَ بن الخطاب
ففي سنة 17 هـ اعتمد الخليفة عمر بن الخطاب التأريخ الإسلامي بداية من غرة شهر محرم.
لقد امتاز التقويم الإسلامي بأنه تقويم عربي قمري هجري
فكان التأريخ بالتقويم العربي القمري: لأن الشهر القمري أكثر تميزا عن غيره بظهور الهلال في الأفق مطلِع كل شهر.
ولأن الله تعالى اعتمده في كتابه, فقال:{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}, {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.
والمعنى : أن عدد شهور المسلمين التي تُعبِّدوا بأن يجعلوها لسنتهم اثنا عشر شهراً على منازل القمر واستهلال الأهلَّة لا كما يعدُّه أهل الرُّوم وفارس, كِتَابِ اللَّهِ أي : في الإِمام الذي عند الله كتبه يوم خلق السماوات والأرض, مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم يعظم انتهاك المحارم فيها بأشدَّ ممَّا يعظم في غيرها, ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي : الحساب المستقيم.
كما أقره النبي في خطبة الوادع بقوله: «إنَّ الزَّمانَ قد استدار كهيئتِه يومَ خَلَق اللهُ السَّمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ متوالياتٌ : ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشَعبانَ».
ولم يكن التأريخ بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لآن يوم مولده يوم وفاته, وحتى لا نتشبه بغير المسلمين.
وكان التأريخ بالهجرة : لأنها فرقت بين الحق والباطل وبالهجرة كانت النصرة فقامت دولة الإسلام.
وكان بداية العام الهجري شهر محرم : لأن الحج خاتمة الأركان يقع في ذي الحجة وفيه ينصرف الناس من حجهم فكان بذلك خاتمة العام وكان شهر محرم بداية العام.
السبب في اختيار الخليفة عمر بن الخطاب حادثَ الهجرة للتاريخ الإسلامي
ومعرفة الحكمة من اختيار شهر محرم ليكون بداية العام الهجري على الرغم من أن حادث الهجرة لم يكن في محرم بل كان في ربيع الأول
ومما ذُكر في سبب اعتماد عمر للتاريخ «أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم:«أرخ بالمبعث»، وبعضهم:«أرخ بالهجرة», فقال عمر:«الهجرة فرقت بين الحق والباطل»، فأرخوا بها». فلما اتفقوا قال بعضهم: «ابدأوا برمضان»
فقال عمر : «بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم»، فاتفقوا عليه.
وفى رواية أخرى: «أن أحدهم رفع صكًا لعمر محله شهر شعبان»، فقال: «أي شعبان، الماضي أو الذي نحن فيه، أو الآتي ؟ ضعوا للناس شيئًا يعرفون فيه حلول ديونهم»، فيُقال: «إنه أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك مَلِك أَرَخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك».
ومنهم من قال: «أرِخوا بتاريخ الروم من زمان الإسكندر»، فكرهوا ذلك.
وقال قائلون: «أرِخُوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وقال آخرون: «من مبعثه صلى الله عليه وسلم».
وأشار عليّ بن أبى طالب: «أن يؤرخَ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث. فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من محرم».
وترجع أهمية التقويم القمري العربي الهجري في حياة المسلمين
إلى أنه التقويم الذي اعتمده الله في كتابه, وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم, ولأن التقويم القمري به تعرف مواسم الطاعات قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}, فبداية كل شهر قمري تتميز برؤية الهلال في الأفق وهذا المَيْزة لا تتوفر في التقويم الشمسي الميلادي وغيره لأن الشمس تشرق كل يوم فلا ميزة في ذلك.
ولهذا اعتمد المسلمون التقويم العربي القمري ليكون تقويم الدولة الإسلامية، ونظرا لاعتماد الهجرة النبوية الشريفة بداية له فقد سمي بالتقويم الهجري.

زر الذهاب إلى الأعلى