المرأة في المجال السياسي: بين التحديات والحق في الشراكة الكامله.

 

دينا جلال السنطاوي

لم يعد الحديث عن المرأة والعمل السياسي قضية فرعية أو مطلبًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة وطنية ترتبط بجودة الحياة السياسية وعدالة التمثيل وكفاءة صناعة القرار. فالمرأة، باعتبارها شريكًا أصيلًا في بناء المجتمع، لا يمكن أن تكون غائبة عن إدارة شؤونه العامة، ولا عن المشاركة في صياغة مستقبله.

ورغم ما تحقق من تقدم نسبي، لا تزال المرأة تواجه تحديات حقيقية ومعقدة في العمل السياسي، يأتي في مقدمتها التمييز المباشر وغير المباشر، سواء في فرص الترشح أو في الوصول إلى مواقع صنع القرار، إلى جانب صعوبة التوفيق بين الحياة الشخصية والمسؤوليات العامة، في ظل أعباء اجتماعية مضاعفة تُلقى غالبًا على عاتقها وحدها. كما تعاني المرأة من نقص واضح في الدعم والتمويل السياسي، مقارنة بنماذج تعتمد على النفوذ والمال، فضلًا عن القيود المجتمعية والثقافية التي ما زالت تنظر إلى مشاركتها السياسية باعتبارها استثناءً لا قاعدة، وهو ما يتقاطع مع ظواهر أكثر خطورة، مثل التحرش والابتزاز السياسي والتشهير، التي تستهدف المرأة لا لضعف في الأداء، بل لكسر الإرادة وإقصائها من المجال العام.

ويضاف إلى هذه التحديات عامل بالغ الأهمية يتمثل في ضعف التمكين الحقيقي داخل بعض الكيانات السياسية، حيث يُكتفى أحيانًا بوجود المرأة بصورة رمزية أو شكلية، دون إشراكها الفعلي في دوائر اتخاذ القرار، أو إتاحة الفرصة لها لإدارة الملفات المؤثرة، بما يحول المشاركة إلى حضور شكلي لا أثر له.

post

التغلب على هذه التحديات لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى آليات عملية تبدأ بتعزيز الوعي والتثقيف بحقوق المرأة السياسية داخل المجتمع والأحزاب على حد سواء، وتوفير دعم مالي ونفسي ومؤسسي يضمن الاستمرارية لا الظهور الموسمي، مع تشجيع المشاركة السياسية المبكرة للمرأة من خلال برامج تدريب وتأهيل حقيقية، تركز على إدارة الحملات الانتخابية، والعمل النيابي، وفهم التشريعات، وآليات الحكم المحلي. كما يتطلب الأمر تعديل القوانين والسياسات بما يوفر حماية واضحة للمرأة داخل المجال العام، وبناء شبكات دعم وتبادل خبرات بين القيادات النسائية، إلى جانب تمكينها داخل الهياكل التنظيمية نفسها، لا إبقائها في الصفوف الخلفية أو الأدوار الثانوية.

وجود المرأة في الحياة السياسية ليس مجرد استكمال للصورة أو تحقيق للتوازن العددي، بل هو إضافة نوعية حقيقية، حيث تقدم المرأة رؤية مختلفة وأفكارًا مبتكرة نابعة من احتكاكها اليومي بقضايا المجتمع، وتمتلك مهارات تواصل وقدرة على القيادة الهادئة القائمة على الحوار وبناء التوافق، فضلًا عن اهتمامها العميق بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، مثل التعليم والصحة والأسرة والعدالة الاجتماعية. كما تتميز بقدرتها على التوفيق بين المصالح المختلفة وتقليل حدة الاستقطاب، بما يسهم في تحويل السياسة من ساحة صراع نفوذ إلى مساحة لإدارة المصالح العامة، وتعزيز قيم الشفافية والمساءلة في الأداء العام.

ومن أخطر ما يواجه العمل السياسي عمومًا، ومشاركة المرأة على وجه الخصوص، الاعتماد المستمر على نماذج المال السياسي والنفوذ بوصفها الحل الدائم، رغم غياب التواصل الحقيقي لبعض هذه النماذج مع نبض الشارع ومطالب المواطنين. والبديل الأكثر عدالة واستدامة يكمن في دعم الكفاءات الحقيقية، من خلال إنشاء صناديق دعم مادي للمرأة في العمل السياسي، وتوفير منح دراسية وتدريبية متخصصة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة للمرأة باعتبارها رافدًا أساسيًا للاستقلال الاقتصادي والسياسي، مع تشجيع الاستثمار في المرأة والاقتصاد المجتمعي، وبناء شراكات مع المنظمات المحلية والدولية التي تدعم التمكين لا الوصاية. فالسياسة في جوهرها ليست استثمارًا ماليًا، بل استثمار في الإنسان.

وقد شهدت مصر نماذج نسائية مشرّفة تركت أثرًا عميقًا في الحياة السياسية، من بينها راوية عطية، أول نائبة مصرية في البرلمان بعد ثورة 23 يوليو 1952، والتي كان لها دور بارز في الدفاع عن حقوق المرأة، وفايدة كامل، أول فنانة مصرية تدخل البرلمان، ومفيدة عبد الرحمن، الرائدة في العمل النيابي والقانوني، وآمال عثمان، التي مثّلت نموذجًا للمرأة البرلمانية المدافعة عن الحقوق العامة. ويبرز في هذا السياق اسم النائبة والمفكرة الكبيرة عائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ»، التي وقفت تحت قبة البرلمان في عصر جمال عبد الناصر، بخطاب رصين ولغة عربية راقية، عكست عمق الثقافة وقوة الحجة، وقدّمت نموذجًا فريدًا للمرأة العالِمة التي جمعت بين الفكر والسياسة، في زمن كان فيه الخطاب العام أكثر التزامًا بالمعنى والمسؤولية.

كما قدّم العالم العربي نماذج نسائية مؤثرة في العمل السياسي، من بينها المملكة المغربية، حيث برزت قيادات نسائية كان لها حضور واضح في مواقع صنع القرار، مثل مريم بنصالح شقرون التي ترأست الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وحليمة العسالي التي تُعد أول امرأة تتقلد منصبًا قياديًا داخل حزب الحركة الشعبية، ونادية فتاح العلوي التي تولت حقيبة الاقتصاد والمالية، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ المغرب. وفي تونس، برزت شخصيات نسائية لعبت أدوارًا تشريعية ورقابية فاعلة، من بينها بشرى بالحاج حميدة، الرئيسة السابقة للجنة الحريات والمساواة، التي أسهمت في فتح ملفات حقوقية ومجتمعية شائكة تحت قبة البرلمان. أما في الأردن، فقد مثّلت توجان فيصل واحدة من أوائل الأصوات النسائية التي فرضت حضورها البرلماني بخطاب حقوقي واضح ومعارض، وأسهمت في توسيع مساحة النقاش العام. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، قُدِّم نموذج مختلف قائم على التمكين المؤسسي، حيث تولت المرأة حقائب وزارية سيادية وأدوارًا تشريعية مؤثرة، ويبرز في هذا السياق اسم أمل القبيسي، كأول امرأة تترأس مجلسًا وطنيًا، بما يعكس تنوع مسارات تمكين المرأة العربية واختلاف أدواته وفق السياق السياسي لكل دولة. وتكشف هذه التجارب العربية المتنوعة أن تمكين المرأة لا يرتبط بنموذج واحد، بل بإرادة سياسية حقيقية، وإيمان مؤسسي راسخ.

زر الذهاب إلى الأعلى