مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ومظاهره

د.عمرو حلمي

إن الاحتفال بيوم ميلاد نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ليس احتفالا بعظيم من العظماء ، ممن يتوقف التاريخ عند أدوارهم قليلاً أو كثيراً ، ثم ما يلبث أن يروح ويتركهم. بل هو احتفال من نوع آخر مختلف إنه احتفال بالنبوة والوحي الإلهي وسفارة السماء إلى الأرض والكمال الإنساني في أرفع درجاته وأعلى منازله والعظمة في أرقى مظاهرها وتجلياتها ، إنه احتفال بالتشبه بأخلاق الله تعالى قدر ما تطيقه الطبيعة البشرية لأن في الاحتفال بالمولد النبوي إظهار للسرور والاستبشار بمولده صلى الله عليه وسلم ، الذي به خرج العالم من الظلمات إلى النور ، وفي ذلك لفت لأنظار العالم للبحث عن هذا النور في كل عام.

 

كما إن الاحتفال بيوم ميلاد نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد مظهراً من مظاهر تعظيمه ، وعلامة من علامات محبته ، ومن المعلوم أن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته أصل من أصول الإيمان ، وفي الحديث : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

 

post

الدليل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف :

 

أولاً : من القرآن الكريم ، قول الله تعالى في سورة إبراهيم : {وذَكِّرهم بأَيامِ اللهِ}[سورة إبراهيم من الآية(٥)] ، ومما لا شك فيه أن أعظمُ أيام الله قدرًا هو يوم مولده صلى الله عليه وسلم ، ومن أدلة مشروعية الاحتفال أيضًا من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة يونس : {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة يونس (٥٨)] ، قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ، في تفسيره لهذه الآية : “فضلُ الله : العلمُ، ورحمتُه : مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ؛ قال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين}[سورة الأنبياء (١٠٧)].

 

ثانياً : لقد كرَم الله تعالى الأيام التي ولد فيها الأنبياء عليهم السلام وجعلها أيام سلام ، فقال سبحانه في شأن يحيي بن زكريا عليهما السلام : {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ}[سورة مريم من الآية (١٥)] ، كما قال كذلك في شأن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا }[ سورة مريم من الآية (٣٣)]، ومن المعلوم أن في يوم الميلاد نعمة الإيجاد ، وهى سبب كل نعمة بعدها، ولا شك أن يوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم سببُ كل نعمة في الدنيا والآخرة.

 

ثالثاً : النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من احتفل بيوم مولده فعندما سئل عن سبب صومه يوم الاثنين قال : «ذاك يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومٌ بُعِثْتُ»، أي : يوم بدء نبوتي ؛ فهو أَولى الأيامِ بالصومِ فيه ، أو قال : «أُنزِلَ علَيَّ فيه»، فكان بدْءُ نزول الوحيِ فيه.

 

هذا وهناك جمع غفير من العلماء الذين قالوا بمشروعية المولد النبوي الشريف ، منهم :

الإمام الحافظ أبو الفرج بن الجوزي (٥٩٧هـ) , وله كتاب : «مولد العروس».

والإمام أبي الخطاب ابن دحية(٦٣٣هـ) ، وله كتاب : «التنوير في مولد البشير النذير».

والإمام أبو شامة المقدسي شيخ الإمام النووي (٦٦٥هـ).

والإمام ابن خلكان(٦٨٢هـ).

والحافظ العراقي (٧٢٥هـ) وله كتاب : «المورد الهني في المولد السني».

والحافظ الذهبي (٧٤٨هـ).

والحافظ ابن كثير الدمشقي (٧٧٤هـ) , وله كتاب : «مولد ابن كثير».

والإمام ابن عباد النفزي المالكي (٧٩٢هـ).

والإمام ابن الجزري المقرئ (٨٣٣هـ) ، وله كتاب : «عرف التعريف بالمولد الشريف».

والإمام برهان الدين الحلبي (٨٤١ هـ).

والإمام ابن ناصر الدين الدمشقي (٨٤٢ هـ) ، وله كتاب : «المورد الصاوي في مولد الهادي».

والحافظ ابن حجر العسقلاني ( ٨٥٢ هـ).

والحافظ السخاوي ( ٩٠٢ هـ) ، وله كتاب : «الفخر العلوي في المولد النبوي».

والحافظ جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ).

والحافظ الشهاب القسطلاني(٩٢٣هـ).

والحافظ ابن الديبع الشيباني(٩٤٤ هـ) ، وله كتاب : «مولد ابن الديبع».

وشيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي (٩٧٣هـ) ، وله كتاب : «إتمام النعمة على العالم بمولد سيد ولد آدم».

والإمام الخطيب الشربيني (٩٧٧هـ) , وله كتاب : «المولد الروي في المولد النبوي».

والإمام ملا علي قاري (١٠١٤هـ) ، وله كتاب : «المورد الروي في المولد النبوي».

والإمام أحمد المقري التلمساني (١٠٤١هـ).

والإمام البرزنجي (١١٧٧هـ) ، وله كتاب : «عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر».

والإمام ابن عابدين الحنفي (١٢٥٢هـ).

 

وهناك من أجاز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بشرط خلوه من الموانع الشرعية المعروفة والمتفق عليها ، منهم : شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨هـ).

والإمام تاج الدين الفاكهاني الصوفي الأشعري (٧٣٤هـ).

والإمام ابن الحاج المالكي (٧٣٧هـ) الشريف.

 

مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف :

 

أولاً : إن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم إظهار لمحبته، ومحبته أصل من أصول الإيمان ، ومظاهر الاحتفال تقوي هذا الأصل وترسخه في القلوب ، وقوة الإيمان من أقوى أسلحة النصر على الأعداء.

 

ثانياً : الاحتفال بالمولد النبوي فيه تعظيم لشعائر الله تعالى ، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب ، وبالتقوى تنتصر الأمة وتستقيم أحوالها.

 

ثالثاً : الاحتفال بالمولد النبوي فيه إظهار للشكر لله تعالى على أعظم نعمة ، وشكر الله تعالى يستوجب المزيد من النعم.

 

رابعاً : الاحتفال بالمولد النبوي فيه اجتماع على ذكر الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم ، وبذلك تتنزل الرحمات والخيرات والبركات على عموم الأمة، وتحفها ملائكة الرحمان.

 

خامساً : الاحتفال بالمولد النبوي يعد وسيلة لتعريف شباب الإسلام بمناقب النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ولا يخفى ما في ذلك من الفوائد العظام.

 

سادساً : الاحتفال بالمولد النبوي فيه تثبيت لقلوب المؤمنين ، لقوله تعالى : {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ }[سورة هود من الآية(١٢٠)] ، والثبات من أهم عوامل النصر.

 

سابعاً : الاحتفال بالمولد النبوي فيه تربية للأجيال على محبة نبيها عليه الصلاة والسلام وتعظيمه وإجلاله صلى الله عليه وسلم.

 

وختاماً : فإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يعد وسيلة للدعوة إلى الله ، وكم اهتدى باحتفالياته من فتيان كانوا منحرفين ، ثم التحقوا بحلقات القرءان العظيم.

 

وصل اللهم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

زر الذهاب إلى الأعلى