تكريم رباني ودعم مجتمعي لفئة أصحاب الهمم.. رسائل ” المجلس الأعلى” خلال جلسة معسكر ذوي الهمم الافتتاحية

حماده مبارك
انطلقت مساء اليوم فعاليات الجلسة الافتتاحية للمعسكر التدريبي الأول لذوي الهمم، الذي ينظمه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمدينة الإسكندرية، بتلاوة مباركة من الشيخ بشير فرج، في أجواء روحانية مفعمة بالأمل والتقدير لهذه الفئة الغالية من أبناء الوطن.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الدكتور نور الدين قناوي، رئيس الإدارة المركزية للعلاقات الخارجية بالمجلس، أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية يولي اهتمامًا بالغًا بذوي الهمم، ويحرص على تقديم كافة وسائل الدعم والرعاية الشاملة لهم، انطلاقًا من رسالة الإسلام السمحة التي تكرّم الإنسان وتمنحه مكانته من خلال الإيمان والتقوى والعمل الصالح، لا بالمظهر أو القدرات الجسدية.
من جانبه، ألقى الدكتور نجاح عبد الرحمن راجح، مدير مديرية أوقاف الإسكندرية، كلمة شدد فيها على أن تمكين ذوي الهمم ورفع قدراتهم النفسية والفكرية والمجتمعية هو نهج قرآني وسلوك نبوي أصيل، مستشهدًا بقول الله تعالى:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”
(سورة الحجرات، الآية 13)
وأوضح أن ميزان التفاضل في الإسلام لا يقوم على الجاه أو المال أو الهيئة، وإنما على ما في القلوب من تقوى وصلاح. وأضاف أن القرآن الكريم رفع الحرج والعنت عن أصحاب الأعذار وأولاهم عناية خاصة، كما في قوله تعالى:
” ليْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
( سورة التوبة، الآية 91)
وقوله سبحانه: “لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ…”
(سورة النور، الآية 61)
وتابع بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب أروع الأمثلة في الرحمة والاحتواء لهذه الفئة، بقوله:
“هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟”
(رواه البخاري)
مشيرًا إلى أن المجتمع هو من يحتاج إلى ذوي الهمم حيث جعلهم الله سبحانه سببا من الرزق والنصر لهذه الأمة.
واستعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكثير منهم، ووضع كل واحد منهم في المكان المناسب له دعما لمواهبهم، وشحذا لهممهم، وتوجيها لطاقتهم من أمثال معاذ بن جبل وعبدالله بن أم مكتوم وعمرو بن الجموح وعبدالله بن مسعود، وغيرهم.
كما أن التاريخ الإسلامي حافل بالنماذج الفريدة من ذوي الهمم الذين عرفناهم من خلال آثارهم العلمية، وجهدهم في خدمة الدين والدعوة الإسلامية كالإمام الترمذي والإمام الشاطبي والإمام قالون وابن سيرين وغيرهم الكثير والكثير.
وفي كلمة ثرية بالمواقف والدلالات، أكد الدكتور هاشم سعد الفقي، مدير عام الدعوة بأوقاف الإسكندرية، أن الابتلاء الجسدي ليس نقصًا بل رفعة في ميزان الله، وقد ابتُلي بعض الأنبياء، مثل أيوب ويعقوب عليهما السلام، في أجسادهم، فكانوا قدوة في الصبر والثبات.
وأشار إلى أن القرآن والسنة كفلا لذوي الهمم مكانة لم تعرفها حضارة من قبل، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
“إن في المدينة رجالًا ما سلكتم واديًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر”
(رواه البخاري)
وسرد نماذج من الصحابة الكرام، مثل الصحابي سمرة بن جندب، الذي خرج مجاهدًا رغم كونه أعمى، فنزل فيه قول الله تعالى:
“وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا”
(سورة النساء، الآية 100)
كما أشار إلى موقف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الذي أُصيب بالعرج وسُخر منه بعض الناس، فأنزل الله قوله:
“الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”
(سورة التوبة، الآية 79)
وتناول أيضًا قصة الصحابي طلحة بن عبيد الله الذي شُلّت يده وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، فقال فيه النبي:
“رُبَّ أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبرَّه”
(رواه مسلم)
واختتم كلمته بموقف إنساني مؤثر بين الخليفة عمر بن الخطاب والصحابي الطفيل بن عمرو، الذي قُطعت يده في معركة اليمامة، فاستحيا من مشاركة الصحابة الطعام، فقام عمر وقال له:
“والله لا أذوقه حتى تذوقه بيدك، فليس فينا من بعضه في الجنة غيرك”
وقد عبّرت هذه الكلمات جميعًا عن عظمة الشريعة الإسلامية في تكريم ذوي الهمم ودمجهم في قلب المجتمع، بوصفهم شركاء في البناء والعطاء لا عبئًا عليه.
ويُعد هذا المعسكر، المُقام تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وبإشراف مباشر من الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحيم البيومي، الأمين العام للمجلس، نموذجًا عمليًا لدمج ذوي الهمم في الأنشطة الثقافية والدينية، وتفعيل دورهم في خدمة الوطن والدعوة والإنسان.






