العيون تهمس للقلوب وتعشقها

 

د. وسيلة محمود الحلبي

إنّ العيون التي في طرفها حَوَرٌ……….قتلننا ثمّ لم يُحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به……….. وهن أضعفُ خلق اللّه إنساناً
العيون معجزة اللّه على أرضه.. حركاتها حافلة بالأحداث تدل على المحبة إذا اتسعت، وعلى الكره والحقد إذا انكمشت.. فيها الجاذبية والقوة، وفيها المكر والدّهاء، والجدب والرّخاء، والبريق، واللهيب، واليقظة، والفتور. هي كتاب لا يقرؤه إلا المجربون من ذوي البصائر والضمائر الحية، والألباب الذكية.. فيها ما يُضعف العزائم، وفيها ما يشحذ المواهب.
العيون معين الجمال، وينابيع الإلهام، يستقي منها الشعراء شعرهم، والأدباء والمفكرون أدبهم وفكرهم، هي وحيهم الذي يستلهمون، وطريقتهم التي يختارون. هي خلاصة إنسانيتهم ومستودع أسرارهم.

العيون تتكلّم، ولكن بلا صوت، تُلهب الحواس، وتغزو القلوب، وتغزو الفضاء، من خلال نظرة، أو دمعة تذهل الناظرين، وتلجم السنتهم وتتركهم حيارى لا يدرون ما وراءها من خوالج ومآرب، وما تخفيه من شعور وعواطف.

ومع هذه القوة والمكانة للعيون.. نجد أن العقل الإنساني قد أوجد لها عيوناً مساعدة، مكّنت الإنسان كشف الخفايا بعمليات التنظير.. واكتشاف المسارات والأفلاك وسجلت هذه العيون رؤيا الكواكب والمريخ وجابت الفضاء لتتجسّس على أخفى خصوصيّات الإنسان عبر الأقمار الصناعية ومن ثم نقل هذه الأسرار والخصوصيات عبر الفضائيات وشبكات الإنترنت العنكبوتية..

post

إنها عيون هاتكة وفاضحة وساحرة وكاشفة ونافذة وفاحصة وعاذله وشاكيه وفاترة وناعسة وأحياناً قاتلة كما وصفها الشاعر العربي جرير:
إنّ العيون التي في طرفها حَوَرٌ……….قتلننا ثمّ لم يُحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به……….. وهن أضعفُ خلق اللّه إنساناً
بل هي أكثر من ذلك عند أبي الطيّب المتنبي.. حينما يصف قتيل الهوى مضرجاً بدموعه، بينما قتيل المعارك مُضرّج بدمائه.. فهو يقول:
لا تعذُلِ المشتاق في أشواقه………حتى يكون حشاك في أحشائه
إنّ القتيل مُضرّج بدموعه……….مثل القتيل مُضرّج بدمائه
والتراث العربي حافل بأمثال “طوق الحمامة، وروضة المحبّين” لابن قيّم الجوزية، “ومصارع العُشاق” لابن السرّاج، وديوان الصبابة، لابن أبي حجلة، وكتاب الزهرة، للمفكر العراقي ابن داود الظاهري.
قال الشاعر:

أليس وعدتني يا قلب أني………إذا ما تبتُ عن ليلى تتوب
فها أنا عن حبّ ليلى تائبٌ………فما لك كلّما ذكرت تذوب!!
وللّه درّ أبي الطيب المتنبي الذي أبلاه الهوى وألهبه النّوى ونحُل جسمه، حتى كاد لا يُرى مصوّراً ذلك بالأبيات التالية:
في قوله:
أبلى الهوى أسفاً يوم النّوى بدني……..وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
روحٌ تردّد في مثل الخلال إذا……….أطارت الريحُ عنه الثوب لم تبن
كفى بجسمي نُحوُلاً أنني رجلٌ………لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ولم أرَ بياناً أبلغ وأروع من بيان المتنبي.. ولم أتذوّق شعراً كشعر أمير البيان المتنبي.. أكاد أجزم أنه الدّهر المنشد على طول الزّمان وفي كل مكان.
قبلتها ودموعي مزجُ أدمُعها…….وقبلتني على خوفٍ فماً لفم
قد ذقتُ ماءَ حياة من مُقبلها……..لو صاب ترباً لأحيا سالف الأصم
ترنو إليّ بعين الظّبي مُجهشةً…….وتمسحُ الطلّ فوق الورد بالعنَم
وابن حزم في طوق الحمامة يصل إلى ثوابت ثلاثة وهي:
* مكانة العيون ودلالاتها من حيث إنّها أبواب المحبة ونوافذ المودّة، وقنوات الشّوق، ومعين الجمال ،والحُسن.
* الأمر الثاني أن المحبّة لا يدركها إلاّ من وقع في تجربتها.. وعاناها فعلاً.. فلا يفهم لغة العاشقين إلاّ عاشقون مثلهم.
* الأمر الثالث.. الوحدانيّة في الحبّ…
نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى…….ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل

ومن هذه الأشعار قول قيس بن الملوّح – مجنون ليلى –
أعدّ اللّيالي ليلة بعد ليلة……..وقد عشتُ دهراً لا أعدّ اللّياليا
أراني إذا صلّيتُ يمّمْت نحوها…….بوجهي وإن كان المُصًلى ورائيا
وما بي إشراك، ولكنّ حبّها………كعود الشجا أعيا الطبيب المُداويا
أحبّ من الأسماء ما وافق اسمها……وأشبهه أو كان منه مُدانيا

  • تشبيه العيون بالنّرجس:
    ومن طلائع أزاهير الربيع النّرجس، وهو من أشدّ الأزهار تعبيراً وأكثرها تشبيهاً بعيون الحسان له مُقلة وأهداب تماماً كما لعيون الحسان.. يقول أبو نواس:
    لدى نرجس غضُّ القطاف كأنّه……. إذا ما منحناه العيون عيون
    مخالطة في شكلهنّ بصُفرة…………مكان سوادٍ والبياضُ جفونُ
    ومن هذه الأشعار قول «ابن المعتز»
    عيون إذا عاينتها فكأنها…….دموع النّدى من فوقها اجفانها درُّ
    محاجرها بيضٌ وأحداقها صفر……وأجسادها خضر وأنفاسها عطرُ
    ويقول ابن الرّومي» في هذا المقام:
    ونرجس كالثغور مبتسم……..به دموع المحدق الشاكي
    أبكاه قطر النّدى وأضحكه…….فهو من القطر ضاحك باكِ
    وفي قصيدة يفضّل بها ابن الرّومي النّرجس على الورد نقتطف الأبيات الشعرية التالية:
    خجلت خدود الورد من تفضيله…….خجلاً تورّدها عليه شاهد
    لم يخجل الورد المورّد لونه………إلاّ وناحله الفضيلة عائد
    للنّرجس الفضل المبين وإن أبى…….آت وحاد عن الطريقة حائد
    فصلْ القضيّة أن هذا قائد…….زهر الرّبيع وأن هذا طارد
    شتّان بين اثنين هذا موعد……يسلب الدّنيا وهذا واعد
    أين العيون من الخدود نفاسة…..ورياسة لولا القياس الفاسد

  • تشبيه العيون بعيون المها:
    وهناك الكثير لتشبيهات العيون قالوا: عيون المها – البقر الوحشي : وهي تمتاز باتساعها وجمالها وبريقها وشدّة سواد مُقليتها مع بياض ناصع في أحداقها، فاستعار الشعراء هذه الصّفات من المها والصقوها معيناً للجمال في عيون الحسان. وأكثر ألوان هذا الشعر عند شعراء الجاهلية وخصوصاً شعراء المعّلقات، ومنها قول «امرؤ القيس»:
    مهفهفة بيضاء غير مغاضة……….ترائبها مصقولةٌ كالسّجنجلِ
    تصدّ وتبدي عن أسيل وتتقي……..بناظرة وحشي وَجْرَةَ مطفلِ
    وقول جرير:
    عيون المها بين الرّصافة والجسر…….جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري؟
    وقول أبو الطيب المتنبي.. يتغزّل في فتاة من الشام. ويقول :
    كلّ جريح ترجى سلامته……..إلا فؤاداً رمته عيناها
    تَبْتَلُّ خدي كلما ابتسمت……من مطر برقه ثناياها
    ما نفضت في يدي غدائرها…..جعلته في المدام أفواها
    كلّ مُهاة كأن مقلتها…….تقول إياكم وإياها.

زر الذهاب إلى الأعلى