قصة ( حرية سجين )

الكاتب والروائي إبراهيم ياسين
في ليالي شباط القاسية حبيس حوائط زنزاتي الغليظة التي بناها الإنجليز على الطراز القديم من بلوكات ضخمة ونافذة من سياج حديدية صماء كما الحوائط لا تعطي حق العبور لشعاع شمس أو نسمة محملة بالياسمين إلا كل بضع شهور و النافذة تطل علي أبراج سكنية عالية تحجب المدينة الممتدة المطلة علي البحر ولا شئ غير الروتين اليومى القاتل وحكايات نزلاء غرفتي التي ملت آذاني سماعها والمسميات كلها مختلفة عن الحياة التي اعتدت عليها خارج أسوار السجن العالية وكل ليلة بعد منتصفها يسدل الصمت ستائره على الزنزانة والعنابر وتُطْفَأ الأنوار حتى السجان هو الآخر يصلي في محراب الصمت على إيقاع الزمان والمكان. أما أنا – وقد تغيرت ملامحي في بدلة النزيل الزرقاء الكئيبة التي ضيقتها لتلائم جسدي النحيل وطرزتها بخيوط بيضاء على حدود الياقة و الأكمام وحددت كلمة نزيل على ظهرها لتبدو أكثر أناقة- فقد كتبت عدة رسائل غرامية لنزلاء في غرف مجاورة فرحوا بها ليرسلوها إلى زوجاتهم أو عشيقاتهم، وحصلت من خلال ذلك على المال لأشتري عطراً رخيصاً فربما تزورني ناني في حلمي ….!!!
وأنتظر دقات الثانية عشر ليلاً لأسمع صوت الدراجة النارية لأتجول معها في طرقات المدينة التي أحفظها عن ظهر قلب وأهمس في جولاتي مردداً كلمات الهادي آدم ( أغداً تشرق أضواؤك في ليل عيوني ) كنت أعلم أن لا أحد سيزورني ولكنني لم أكن أعير ذلك اهتماماً
وكنت أنتظر يوم تزورني في حلمي لتمسح دمعتي وتمس شعري الذي لا يسمحون لي أن يتجاوز حدوده سيقتلعوه اقتلاعاً إن فعل ..!!! لم تمنحني الحياة في ذلك الموت سوى قراري بأن أكتب رواية واشتريت بما لدي نوتة وقلماً وسخر نزلاء غرفتي مني عندما رأوني أكتب وبعد أن أنهيت ثلاثة فصول قال “شاويش ” الزنزانة ساخراً: اقرأ شيئاً مما كتبت فقرأت الفصل الأول فانجذب الجميع حتى أنهم طلبوا مني أن أقرأها متسلسلة مساء كل يوم حلقة
ومرت الأيام على تلك الحال وهم يشترون لي الأقلام والدفاتر التي أريدها وحفظوا أسماء شخوصها وأدق تفاصيلهم ، وبعد شهور وفي واحدة من ليالي تموز وبينما أنتظر مرور صديقي الذي لم ألقه قط لأتجول معه كل ليلة منذ عدة شهور خلت على دراجته النارية في الشوارع والأزقة هب نسيم الشمال العليل وبزغ القمر بدراً نبيذياً على واجهة العمارة الزجاجية الزرقاء وانعكس ضياؤه داخل زنزانتي فالتقطت قلمي وأوراقي والكل نيام وكنت قد توقفت عند الفصل الحادي والعشرين
وكعادتي أضع أوراقاً بجواري غير تلك التي أكتب عليها لأدون فيها ملاحظاتي وما يجيء بخاطري وما هي إلا دقائق حتى تجمد مدادي ودارت عيني بين الأوراق وبهتت الحروف وتناثرت الكلمات على الباب الحديدي والحوائط وسبحت الخيالات في سماء زنزانتي وشعرت بأنني أندفع في زوايا الزنزانة بينما أنا جالس في مكاني وجزء مني يحوم في أرجاء المكان ويعبث بكل شيء وصرت عالقاً عند تلك النقطة بين الزمان والمكان حتى قامت ناني من بين الأطلال ومثلت أمامي كاملة متكاملة جسداً وروحاً ترتدي فستاناً فيروزياً معتماً ووشاحاً أزرقَ ممزوجاً بليل شعرها الطويل وصندلاً أسودَ تلتف حوله كل تفاصيل حياتها وهي تخطو ولا تكترث وحول خصرها المخروطي يطوف يمام قمري وهازل ومخطط وسنابل خضر وتدور درب التبانة لامعة حول رقبتها البرونزية وتتلألأ عيناها كأشعة الشمس على صفحة النيل الدافئ ،
نظرتْ إليّ باسمة
وقالت : لِمَ رسمتني في روايتك؟ أتريد أن أعيد الكرة مرة أخرى بمآسيها ودموعها؟ ولِمَ توقفتَ؟ أتريدني أن أكمل وحدي؟ ف
قلت : لا لشيء سوى أن أراك ….
فقالت : دعك من تلك الحياة وأخذت بيدي وعبرت بي من الزنزانة طيفاً وتركتني جثة هامدة أفاق الجميع من نومهم إلى موتهم وأعلنت إدارة السجن وفاتي وكفنوني في بطانية تبرعت بها إدارة السجن ودفنت بلا هوية … !!!!





